|
أولاد إسماعيل
إلى أبناء أبينا إبراهيم في كل مكان أولاد إسماعيل … و أولاد إسحاق أولاد هاجر الجميلة … وسارة الحبيبة حان الآن أن يجتمع .. أن يتحد أولاد إبراهيم المتفرقين .. من ذا الذي يقدر أن يجمع المتفرقين إلى واحد؟ من ذا الذي يقدر أن يغير القلوب .. ويجدد الأرواح .. فتصير منبعاً للسلام .. للرحمة .. وللحب؟ من ذا الذي يقدر أن يصالح الأرض بالسماء.. ويصالح الإنسان مع ذاته.. ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان؟ من هو هذا العظيم؟ .. هلم أبناء إبراهيم .. هلم نثور ونسبح ونبني ونحب. كما عاد الابن الضال لأبيه .. بعد فترة من الضياع والضلال والتيه .. يعود هذه الأيام إسماعيل إلى حضن إبراهيم أبيه .. بل يعود لحضن المسيح الموجود قبل حضن أبيه إبراهيم .. بل قبل تأسيس العالم .. يعود إسماعيل للذي أتى من السماء وتجسد لأجله.. نعم الهي ومخلصي .. أتيت لتبشر المساكين.. لتعصب منكسري القلوب .. لتنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ..لتعزي النائحين .. لتعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد .. وفرحا عوضاً عن النوح .. ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة.. أتيت لنبني الخرب القديمة .. نجدد المدن الخربة . نبشر بالحرية وبالسلام بالشفاء والحب، قد أتيت يا الهي ومخلصي للجميع .. وها نحن أبناء إسماعيل عشنا سنيناً نجهلك .. لا نعرفك .... وفي كثير من الأوقات كنا ننكرك ، ونحاربك .. بل نعاديك . ولكن محبتك التي تفوق كل عقل وكل خيال وكل عداء.. وجدتنا.. وهدتنا ..ورحمتنا .. وقدستنا .. محبتك مخلصي أعادتنا اليك كالضال إلى حضن أبيه.. كلقيط إلى حضن أمه.. كغريق إلى سفينة الخلاص. ها نحن الهي ومخلصي بحثنا عنك فوجدتنا .. سألناك فأجبتنا.. صلينا لك فسمعت صلاتن واستجبت لنا.. أحببتنا أولاً.. ها نحن الآن لسنا عبيداً بل أبناء .. لسنا أسرى بل أحرارا .. لم نعد أشرارا بل أصبحنا أبرارا .. صرنا مثلك نحب الجميع . لذلك ها نحن أبناء إسماعيل ابن أبونا إبراهيم خليل الله قررنا أن نعلن للجميع في هذا الصفحات القليلة حبنا لك .. عشقنا لك .. خضوعنا لك .. وانتماءنا لك .. فنحن الأغصان وأنت الكرمة .. فنحن العروس وأنت عريسها .. نحن مدينتك وأنت مليكها .. إلهنا ومخلصنا. أولاد إسماعيل من وطن المسيح يعود أبناء إسماعيل في بلاد المسيح ولدت .. فلسطين الحبيبة نحن ما يطلق علينا عرب الضفة ولدت في أواخر الخمسينات تحت سقف الاحتلال .. عشت في وطن ليس بوطني (ولكن من منا يختار ميلاده أو كفنه ) . عائلتي مكونة من سبعة أولاد وأربع بنات ، مات أبى وأنا في الثامنة من عمري .. ليكتمل الحزن في قلبي ( بميلاد بلا وطن .. وطفل بلا أب ) وكأن السماء تناصبني العداء ..أظن أن زمان الطفولة هو الذي يشكل اله كل منا ، أتخيل أنكم بدأتم تشكلوا معي ملامح الهي. قريتي كانت بجوار القدس .. بجوار( أورشليم) أورشليم ..قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين .. وصالبة المسيح …
عندما تولد في القدس تصبح فدائيا قد تم ترويضه، وطفل ليس كأطفال الحجارة الثوريين ، ولكن من يقدر أن يسجن الروح والقلب ، لا الزنازين تقدر أن تفعل ذلك .. ولا قوى الاحتلال لذلك كنت احمل قلب أطفال الحجارة .. روح أطفال الحجارة .. ثورة أطفال الحجارة رغم إنني لم أر في قريتي مظاهرة واحدة أو أي نوع من انتفاضة . لكن أتذكر وأنا طفل كنت أسبح في خيالي وفي أحلام اليقظة ، التي كنت أتخيل فيها أنني أحرر فلسطين وكانت أحلام التحرير في خيالي تنتهي دائما باستشهادي . حقا كنت طفلا فلسطينيا بمعنى الكلمة رغم محاولة الاحتلال مسخ الشباب العرب لكي ينسوا جذورهم ووطنهم وبكاء أمهاتهم . وبالفعل أصبح الحزن لنا لغة تعلمناها منذ الطفولة ،عاجزون ومحاصرون في كل شيء ، في لقمة العيش وفي المسكن وفي المدرسة وفي الشارع، نحن لسنا كأطفال اليهود ، التفرقة واضحة في كل شيء وتمييز المحتل واضح لنا وضوح الشمس ( فشعب يفرق بين يهودي شرقي ويهودي غربي ، كيف لا يفرق بينه وبيننا). كل هذه الأشياء كانت تشكلني وتشكل إيماني بالله الذي كان بالنسبة لي الملجأ الأول والأخير فأنا كنت اصلي وأصوم حتى سن 15 سنة لكن ما النتيجة. ما الذي حدث .. هل حدثت معجزة فأصبحنا أحرارا ؟ هل عاد لنا وطننا؟!! هل أقام الهي شهداءنا من القبور ؟!! هل أعاد لنا أفراحنا التي ضاعت وأوقف نزيف دمائنا ؟!! هل أعاد المنفيين إلى أوطانهم ؟!! وهل .. وهل .. وهل .. ملايين من علامات الاستفهام التي تفجرت في داخلي ضد قدرنا الذي حكمت السماء به علينا لماذا الموت والإبادة والنفي والسجن يكون مصيرنا نحن دون باقي الشعوب ، هل هذه هي مشيئة السماء ؟!! وكانت الإجابة بداخلي .. نعم !! وبالتالي رفضت هذا القدر وهذا المصير وهذا الإله ، وعشت أربع سنوات لا أؤمن باله .. كفر صريح ( يسكن في القلب ويعلنه اللسان والعمل ) وبالتالي فقدت حياتي معناها وتلاشت كل القيم والمبادئ في داخلي ، وبالفعل ارتكبت كل الخطايا والذنوب ، الكبائر منها والصغائر الى أن حدث شيء كان بداية لتغيير حياتي ، وهو تعرفي على آنسة أوروبية اسمها" تينا "كانت موجودة في القدس لمدة سنة , تعارفنا و أصبحنا أصدقاء فهي ليست مثل هؤلاء الأشخاص الذين تقابلهم كل يوم بل على العكس ,هي من هذا النوع النادر الوجود الذي اذ تعرفت إليه لا تقدر أن تنساه ، إنسان بمعنى الكلمة تشع حيوية وحضورا خاصا . حضور يشعرك انك مهم وانك إنسان متحضر وان الوقت غالي , نعم هي بالحقيقة المرأة التي معها تشعر أن كل شيء تحول إلى معنى وقيمة في لحظة . و تينا تتكلم أربع لغات بطلاقة . و كانت دائماً تقول لا يوجد وجه مقارنة بين ربيع و صيف أوروبا و ربيع القدس حيث الحدائق الخلابة و الحقول المزهرة . بدأت تينا تشعر بعدم الرضا لأنها بدأت تنجذب لشخص مسلم فهي تعلم بأن عائلتها عائلة محافظة و ملتزمة جدا بالديانة المسيحية و لن تقبل أي تطور شرعي لهذه العلاقة ، و بدأت تينا تخطط للعودة إلى بلادها و كان هذا بعد عام من بقائها في القدس وقد مر علينا و كأنه يوم . و أنا أيضاً بدأت أخطط للسفر إلى أوروبا و ابتهجت تينا لقراري و بالفعل سافرت إليها و كان ذلك في يوليو 1979 و كانت تينا هي مرشدي السياحي . و أتذكر تلك الزيارة لعائلتها و كان استقبال العائلة لي دافئا تكلمنا مرة في موضوع أكل لحم الخنزير في أوروبا والدول الغربية. وعندما تكلمت مع تينا بخصوص ذلك الأمر قالت لي ما أذهلني : قالت لي أن الرب يسوع المسيح قال [ أن ما ينجس الإنسان ليس هو الطعام أو الشراب و لكن هو ما يخرج من القلب و النيات هو الذي ينجس الإنسان ! ] . كانت هذه الزيارة هي بمثابة وضع النقط فوق الحروف بالنسبة لعلاقتنا فنحن بدأنا نشعر أننا لسنا فقط صديقين بل حبيبين وبالفعل قررنا الزواج، وبالنسبة لي لم يكن قرار الزواج قرارا عاديا بل سرب إلي اللبنة الأولى بالإحساس بالمسئولية وفي هذه الفترة التي نزلت فيها القدس لأعد لزواجنا كانت أمي تنتظرني بلهفة (فأمي مسلمة متدينة و ذات شخصية قوية) قالت لي أنها ترفض ذهابي إلى أوروبا للزواج و لكن يجب على تينا أن تأتي للقدس للزواج ليكون الزواج إسلاميا و على سنة الله و رسوله ( و كان هذا هو الشائع في فلسطين فالمرأة الغربية التي تتزوج من مسلم تصبح مسلمة و ترتدي الحجاب و تتعلم اللغة العربية و القرآن ) و في ذاك الوقت كانت تينا تتوب و تعيد وتجدد علاقتها مع إلهها ومخلصها يسوع المسيح ، فأصبحت مسيحية بمعنى الكلمة وبعد ترتيب أموري سافرت إلى أوروبا وتزوجنا كان زواجنا حقا أهم خطوة وأجمل خطوة اتخذتها في حياتي في ذلك الوقت. ولم تكن تينا مسيحية بالمعنى المبتذل أو العقيم المتعارف عليه بين الزوجات المؤمنات المتزوجات رجال غير مؤمنين أو العكس ( بأن تجلس تعظ لي ليل نهار أو توبخني على أعمالي الشريرة والسلبية من وجهة نظرها أو تشعرني حتى أنى اقل منها في شيء .. لم تكن تينا زوجتي تفعل ذلك على الإطلاق بل كانت زوجة فاضلة من يجدها يتغير ويصير مخلوقا على صورة الله ) كانت خاضعة لي وكانت تعرف كيف تتعامل مع رجل شرقي له كلمته ويحترم رجولته إلى أبعد حد ، لكن كل هذا أثر في ولكن لم يغيرني بالكامل ، فما زلت أعاود أعمالي الشريرة .. أسكر وأسهر طول الليل في الحانات و خارج البيت كان كل هذا يجعلني مزاجيا جدا ,كم قاست معي تينا ، أشياء تفوق قدرة كل إنسان ( لكنها بحق امرأة تشابه المسيح ) وليتني كنت أسكر فقط , بل تعاطيت كل أنواع المخدرات ، كانت سنوات مليئة بالعبودية لإبليس ولكن كان في وسط ذلك الشوك وردة ثابتة لم تتغير محبتها ( هي زوجتي تينا ) ، التي كنت أفتخر بإيمانها وأخلاقها أمام الجميع خمس سنوات كاملة أعيش في هذا الضياع وكأنني أحضرت للموت وكأني انتحر ببطيء وكانت تينا تصلي وتدعو الله من اجلي لكي يخلصني وينقذني ، لم تصمت ولم تجعل الله يصمت وبالفعل استجابت لها السماء وكان هذا في آخر يوم من سنة 1984 كنت أمشي في الشارع مترنحا بعد ليلة طويلة من السكر قابلني شخص ودعاني أن اذهب الى منزله لأشرب معه كوبا من الشاي كنت ثملا لكني وافقت وذهبت معه ، وجلسنا نتكلم لمدة ساعتين أو اكثر ، وفي الصباح لم أتذكر إلا القليل من الحديث تذكرت انه سألني عن إيماني بالله ، وأجبته بنعم أومن بالله وبرسله وبأنبيائه موسى وعيسى ومحمد ، وقال أنا لا اعرف إلا طريقا واحدا هو الذي يدخل به الإنسان إلى السماء ( الجنة ) هذا الطريق الوحيد هو إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي به تمت المصالحة بين الإنسان و الله والذي بدونه لن تقدر أن تدخل السماء مهما فعلت من أعمال صالحة أو حسنات وقال لي اقرأ إنجيل يوحنا, هذا كل ما تذكرته وتذكرت أنني تركته وأنا متضايق جدا منه ولكني أحببت جرأته وصراحته ، ودعوته إلى منزلي وأعطيته عنواني وكان ميعادنا التالي يوم الجمعة ، وبالفعل بحثت عن إنجيل زوجتي وبدأت اقرأ في إنجيل يوحنا قرأته اكثر من مرة ، وكنت أحاول أن أكون مستعدا لنقاش يوم الجمعة الذي قررت فيه أن لا اسكر حتى أناقش وأنا في كامل قواي العقلية ، فأتى ومعه شخص أخر اسمه نيلس وبدأ يكلماني عن الله المحب لي ولكل البشر وكيف يهتم الله بكل واحد منا اهتماما خاصا ومتميزا وكيف أنتج و أثمر شر الإنسان وأنانيته كل الآلام الموجودة في الأرض ( ارض السقوط ) ولكن الله غير راض عن شر الإنسان ولا على نتائج هذا الشر ، فالله لا يريد لنا المتاعب ولا الآلام التي نجلبها على أنفسنا ( ما يزرعه الإنسان إياه يحصد ) فالله المحب الحقيقي لا يجرب أحدا بالشرور، بل هو منبع الخير والصلاح والقداسة والرعاية ، فكنت أصغي لهم بكل كياني .. كياني العطشان واليابس. و تعددت جلستي معهم و مع الإنجيل و مع زوجتي ، لدرجة أصبح فيها الدين هو مركز اهتماماتي و بحثي بعد سنين من العبث وألا شيء و كانت تينا تريد أن تجعلني أكتشف المسيح ( المسيا ) المنتظر في التوراة لكي تثبت لي أن المسيح هو محور التوراة و الإنجيل (محور الوحي) لأنها كانت تعلم أنني أجيد اللغة العبرية وهي لغة التوراة ، و بالفعل بدأت تخرج لي كل النبوات التي تتكلم عن المسيح ، التي كادت تقترب من ثلاثمائة نبوة تتكلم عن المسيح و عن ميلاده المعجزي و عن حياته و آلامه و صلبه وموته و قيامته العجيبة . كل هذا اكتشفته أنه موجود قبل المسيح بمئات و آلاف السنين ، وهذا الاكتشاف بدأ يزلزل كياني لدرجة أنني اندهشت من اليهود كيف وهم يقرءون التوراة كل يوم لم يؤمنوا بالمسيح ( المسيا المنتظر ) (فبالحق الله هو الهادي و ليست القراءة العمياء) . و بدأت أكتشف أن المسيح شخصية غير عادية فهو مركز التوراة و مازال اليهود ينتظرونه و نحن المسلمون أيضاً ننتظر المسيح كحاكم عادل و ديان الجميع . ( و طبعاً المسيحيون ينتظرون المسيح كإله و كملك ) من يكون هذا الشخص الذي ينتظره الجميع؟ يهود ومسيحيون ومسلمون؟!! إذا كان المسيح بشراً عادياً فأنه بذلك أخذ أكثر مما ينبغي حتى من الأديان الأخرى التي لها أنبياء مثله ( موسى في التوراة و محمد في الإسلام ) فبالأولى أن ينتظر اليهود موسى و المسلمون محمد و لكن لم يحدث ذلك بل مازال ينتظر الجميع يسوع المسيح . حتى معجزات المسيح لم تشابه معجزات بقية الأنبياء والسبب هنا ليس كما يقولون أن الاختلاف راجع لاختلاف الرسائل والشعوب المرسل لهم ، لكن الاختلاف هو أن المسيح هو النبي الوحيد الذي شابه الله في صفاته و في قدرته إلى درجة التطابق فكيف يعطي الله نبياً أياً كانت مكانته و رسالته هذا الامتياز (أن يكون شريكًا له في صفاته و قدراته و قداسته) بل أيضاً في محبته؟!! وصل الصراع إلى ذروته بداخلي رغم أني لم أكن مسلما متزمتا بل كنت ملحدا في كثير من الوقت ولكن ما أصعب الدين في الشرق فهو موجود في الجينات و في دمائنا و عظمنا (فلا يوجد أصعب من أن يغير الإنسان عقيدته التي ولد و تربى و نما فيها) . و كنت أفكر لو أن الحسنات تذهبن السيئات بحق فأنا أحتاج لعمر فوق عمري لكي أصنع حسنات تزيل و تمسح سيئاتي الكثيرة جداً ، لذلك لا خلاص لي بالحسنات أو الأعمال الصالحة فمن يخلصني و ينقذني من حياة الذنوب و العبث؟؟؟؟ من يخلصني إذن .. في هذه الفترة بدأ المسيح ينمو بداخلي بشكل لم ألاحظه وأخيراً لم أقوى على الصراع فصرخت إلى الله و قلت له عرفني الحقيقة من هو الدين الصحيح فالأديان السماوية تؤمن أنك واحد و لكن الاختلاف هو هل مازلت بعيداً عنا في السماء السابعة أم أنك تجسدت و صرت قريباً منا و متحد بنا . قلت له لو كنت يا يسوع المسيح حقا إلهي و مخلصي فغير حياتي و حول هذا القلب الأسود لقلب أبيض ، من قلب يكره إلى قلب يحب ، من قلب نجس و غير طاهر إلى قلب مليء بالقداسة و الطهارة و العفة و بالفعل بدأت حياتي تتغير بشكل لم أكن أتخيله و بدأت السعادة تملئ كياني بلا مخدرات أو أي نوع من الخمور. وبالفعل بدأت حياتي تتغير فأصبحت لي أهداف واضحة و مبادئ واضحة و معنى واضح لحياتي و إله مستعد أن اخسر من أجله كل شئ فهو وحده يكفيني وأخيراً ابتهجت زوجتي لأنها رأت حصاد دموعها و صلواتها و الآن أصبح بيتنا كنيسة و عروسا للمسيح و بدأت حياة الخدمة و المعجزات والاختبارات العظيمة و لكن لهذا حديث أخر لمجد يسوع المسيح. خليل كل منا يحمل نمنمات تراث عمره حيث الأحلام ، حيث الخامية و عوامل التشكيل و البصمات ، نعم أذكر كل اللحظات حتى يوم ميلادي أذكرها جيداً ، فمنذ حكت لي أمي تفاصيلها التصقت بذاكرتي و كأني أعيشها اليوم , كان يوم أربعاء من عام 1971م ، كنت الطفلة الأولى لوالدي ، كنت الفرحة الأولى و صراخ الطفل الأول في منزلنا . فأنا البكر لأربع أخوات ، حالتنا المادية تشبه أي أسرة عادية ، فأسرتنا متوسطة الحال . تعلمت في مدارس حكومية، و كان أبي يهتم قدر المستطاع بتوفير كل احتياجاتنا لأنه كان يحلم أن نحظى بقسط وافي من التعليم خاصةً أنا، و خاصةً كنا كلنا بنات و كان أبي يحلم كثيراً بأن ينجب ولداً , فكان يسعى جاهدا لتعليمنا وتوفير كل ما نحتاج إليه. أما من الناحية الدينية فقد تربينا على المبادئ و الالتزام منذ الصغر فأبي مسلم حقاً ساعدته نشأته الريفية على التمسك بكل أمور الدين و التقاليد ، أما أمي فهي أقل التزاما فكانت تصلي يوما و تنقطع أياما وأذكر خلافات كثيرة لأبي معها بسبب هذا الأمر . فقد كان يريد أن يكونا معاَ أسوة حسنة لنا حتى نلتزم دينياً نحن الأبناء . و أذكر أنه أياماً كثيرة كان يخرج ليصلي الفجر في الجامع الذي يبعد عنا بقليل كنت أصحو على صوت الأذان في بعض الأيام ، و كنت أندهش بالتزام أبي و تصميمه أن يصلي الخمس فروض في توقيتها في المسجد و لم يمنعه برد الشتاء أو حر الصيف و حتى في أيام مرضه . سألته ذات مرة ماذا لو صليت هنا نظراً لبرودة الجو ؟ فأجابني بأنه كلما خرج للجامع في وقت البرد و الأوقات المماثلة كلما جازاه الله خيراً و أعطاه ثوابا أكبر ( كان مخلصاً و ملتزماً حقاً بالإسلام و أعتقد أنه مازال بهذا الإخلاص ) . شجعني أبي أن أصوم رمضان كله و أصليه و أنا عمري سبع سنوات و قال لي حديثاً يقول [ علموهم لسبع و اضربوهم لعشر ] كنت أشعر بالجوع في صيام ذلك الوقت و لكنني كنت أصبر بإخلاص على أن أكمل اليوم و بالفعل صمت الشهر كله ، سعد أبي لذلك و أذاع الخبر على كثير من أفراد عائلتنا وكان فخورا بالتزامي . و سعدت أنا بأن الله سيجازيني خيراً بحسب قوله ، و لكنني سعدت أكثر لقدرتي على تنفيذ هذه المهمة الشاقة و حتى وصلت سن الثانية عشر كنت لا أواظب دائماً على الصلاة و كان أبي يختلف مع جميعنا على ذلك الأمر ، فالالتزام بمذاكرتنا و الالتزام بالصلاة هما أكثر موضوعين استغرقا حديثًا و توبيخاً في منزلنا طيلة حياتنا . وكان لأبي عقاباً , أرفضه بشدة إذا انقطعت إحدانا عن الصلاة لسبب غير شرعي . فكان لا يجلس معنا على مائدة الطعام ، مستشهداً في ذلك بحديث نبوي . ( و كنت أتساءل مع ذاتي كيف يقول الرسول كلاماً يساعد على تفكيك روابط الأسرة !!) أي التزام ينتظره أبي سينتج عن هذا العقاب ! و كانت الأفكار التي شربناها عن المسيحيين بأنهم كفرة ومشركين بالله و ليس مجدياً أن نصنع علاقات معهم ، إلا هذا الاستثناء , صديق واحد لأبي كان يقول انه يعرفه منذ الطفولة و كانت بينهم علاقة محبة تتضح عندما كان يأتي عندنا هذا الصديق هو و زوجته و أبنه لكي يشاركونا أفراحنا و أعيادنا ، ولكن في كل مرة كان أبي يقول شيئاً يجعلني أندهش بعدما يمضي صديقه المسيحي فكان يقول [ خسارتك يا فوزي في المسيحيين ، يا سلام لو كنت مسلما ] . ثم في الثالثة عشر بدأت مرحلة دراسية جديدة ( إعدادي ) و في أول يوم للدراسة و نحن نتهافت على أماكن المقاعد المفضلة و نتعارف ، جلست بجواري فتاة تدعى مارسيل . كان اسما جديدا على مسامعي و كانت تجربة جديدة أيضاً، ففي مقعد واحد لمدة عام دراسي كامل كان عليه أن أتعامل مع هذه المسيحية ( الكافرة ) و لكني سرعان ما تعارفت أكثر عليها فوجدتني أنجذب إليها ، فمازلت أذكر البراءة المنحوتة في ملامحها ، حتى الآن وداعتها تخايلني و كأنما كنا معاً منذ أيام لا سنين و أذكر ذات مرة أنها سألتني ماذا معك من ساندويتش فقلت لها جبنه رومي فقالت لنتبادل فأنا معي مرتديلا فانزعجت و قلت لها مار سيل نحن المسلمين لا نأكل لحم الخنزير فهو محرم علينا. فسألتني هي لماذا ؟ فقلت لها لأن الله يخاف علينا و هذا اللحم هو مضر لصحتنا ، فنظرت إلي و شردت عيناها و التزمت الصمت . ففكرت أنا بداخلي لو كانت إجابتي منطقية و صحيحة فلماذا لم يضر كل هؤلاء المسيحيين على مر الزمان من أكل الخنزير ! و لكنني لم أجد إجابة ، و لم أرهق نفسي في البحث عنها ، فنسيت الأمر . و مر العام الأول على هذه العلاقة البسيطة الجميلة و في العام الثاني في يوم دراسي كانت مارسيل تبحث في حقيبتها عن بعض الأشياء فأخرجت كل كتبها على المنضدة فأمسكت بكتابها الديني ، و تفجر في حب استطلاع لم أعهده في ذاتي من قبل و لم يفارقني من وقتها . و طلبت منها أن أنظر في كتابها الديني و أخذت أتصفحه وقعت عيناي على جملة تقول (كان يسوع يجول يصنع خيرا) فسألتها من هو يسوع هل هو شخص : فأنا لأول مرة أعرف هذا الاسم ؟ ! فأجابتني مارسيل أنه المسيح ، أغلقت الكتاب و أعطيتها إياه و لكن ظلت هذه الجملة عالقة بذهني أريد أن أكتشفها ، شخص يجول يصنع خيراً ما أجمل هذا الشخص المتفرغ للخير . و ببراءة شديدة لم أعد أذكرها جيداً ذهبت الى المنزل و كلي رغبة في اقتناء إنجيل يحدثني عن هذا الشخص فطلبت من أبي ذلك و حكيت له ما حدث ، و لا أدرى بعد ذلك ماذا حدث ! ثورة عارمة في منزلنا ، ضربات تنهال علي و ترديد لجملتين (دول كفرة ، الإنجيل ده محرف) فبكيت و قدمت ندما على ما فعلت و تبت . وبعد فترة وجيزة اشتعلت في الرغبة من جديد فطلبت من مارسيل أن تحدثني عن يسوع ، فقالت لي أنه كان يحب الناس جميعاً و يصنع المعجزات لهم . و في ذات يوم و نحن في حصة الدين الإسلامي التي كان يدرسها لنا أستاذا شابا و المتميز بعلامة الصلاة على جبهته ، شئ في داخلي يدفعني و سؤال يراودني منذ فترة لكنني أعلم أن سؤالي حرام فترددت و لكنني لم أستطع أن أكتمه ، تجرأت و قلت ( أستاذ ..ممكن أسأل سؤالا .. بس يعني .. أستغفر الله العظيم ) ثم أنطلق لساني أما كان للرسول أن يساعد كل النساء في ظروفهم دون أن يتزوجهم ؟ أما كان له أن يصنع معهم خيراً دون شرط الزواج ؟ و لا يكن مزواجا ؟ وكانت الإجابة صفعة سريعة جدا علي وجهي وكلمة كافرة ، ولأول مرة أضرب في المدرسة . فشعرت بإهانة قصوى . وذهبت لمديرة المدرسة كي أشتكيه وحكيت لها ما حدث وقلت لها أما من حقي أن أسأل . انه سؤال بديهي ، وواجبه كرجل دين أن يجيبني ، فلماذا قال عني كافرة ؟ كانت هذه السيدة متعصبة جدا ، فكانت كثيرا ما تكلمنا وتوبخنا لعدم ارتداء الحجاب ، ولكنها كانت أيضا حكيمة جدا. وأجابتني ببساطة انه لو كان الرسول صنع معهم علاقات للمساعدة فقط لكان تعرض وعرضهم معه لشبهات غير لائقة ، فهززت رأسي ولكني لم أقتنع بالإجابة ، ولم ترد الإجابة إهانتي ، ولم أجد جدوى . فمرة أخرى ندمت وتبت . وقررت ألا انشغل بكل هذه الأمور ومع إلحاح أبي وكلماته التي تنهال علينا للمواظبة على الصلاة ، قررت أن التزم بالصلاة. فتجربة الحوار والتفكير غير مجدية سأصلي كواجب لتجنب الإصابة بلعنة أبي ، كان شعورا قهريا ، ففي سجدتي الأولي كنت أدعو الله أن تأتي السجدة الأخيرة وأنتهي من ذلك الواجب الفرضي لم أفكر في الله ولم تجلب لي صلاتي أي تغير في شخصيتي . وموقفي من المسيحيين ما زال عدائيا كتربيتنا فمارسيل هي تجربتي الوحيدة ، وحتى الكنيسة التي كانت بجوار بيتنا كنت أحاول عدم المرور من أمامها . وسار الوضع على هذه الوتيرة لمدة عامين أو أكثر كانت الخلافات تشتد بين أبي و أمي إلى أن حدث ما غير أشياء كثيرة في مساء حيات أبي وأمي يفعلان أبغض الحلال بحسب قولهم .. ينفصلان وبدأت أخذ وضعا جديدا بين أسرتي فأنا أتحمل مسئولية أبي واخوتي الأربعة كان عمري حوالي 16 عاما ، وكان علي أن أحصر ذاتي بثلاث أشياء .. أن أتفوق في دراستي ، وان أتفوق في أمومتي لاخوتي وفي رفقتي لأبي كشريك في المسئولية . ولم اسمح لنفسي أن أفكر في أي شيء آخر و انتهيت بعد ذلك من المرحلة الإعدادية بتفوق و كان الحلم القديم طبعاً أن أكمل تعليماً جامعياً ، لكن نظراً لاحتياج الأسرة لي فقد رفض أبي أن أدخل مدرسة التجارة حتى أتفرغ لخدمة أخوتي ، و بدأت أشعر أن كل الظروف تعمل ضدي و هذا الإحساس وضعه الله بالنسبة لي موضع رفض و تمرد . و لكن أين المفر من ظروف سيئة و سنين ملأتني بالهم و الانكسار ..أين المفر ؟ لم يكن أمامي مفر سوى الله رغم كل شئ . لكن هذه المرة التجأت إليه و أنا في حالة من الضعف الشديد و الاحتياج الشديد و الصدق الشديد ، و التزمت أكثر بالصلاة و الصوم و كل فروض الإسلام و ارتداء الحجاب و بعد كل صلاة كنت أدعو الله و أتكلم معه كثيراً و لكني كنت أشعر أن صلواتي و دعواتي تصطدم في حائط و تعود إلي ثانيةً بلا استجابة و بلا معونة و بلا رجاء ، فكنت أشعر دائماً أن الله بعيداً عني بعد المشرق عن المغرب . و بعد انتهاء دراستي جلست ما يقرب من عامين في المنزل و بدأت أختنق من الحياة المملة و الروتينية و بدأت أبحث عن عمل، علمت أن هناك مكتب للمحاماة يطلب سكرتيرة للعمل كان صاحبه رجلا مسيحيا و عرضت الفكرة على أبي و أنا متيقنة من رفضه و بالفعل رفض ، لكن أمام إصراري و إلحاحي وافق أبي أخيرا . و في مكتب المحامي المسيحي بدأ يطفو ثانية فضولي لمعرفة هذا الدين المسيحي و بدأت بسؤال له عن صورة العذراء المعلقة خلف ظهره فمن أين أتوا بها ؟و لماذا يقولون عن المسيح أنه الله و هو مولود من امرأة عادية حتى و لو كان ميلاده إعجازيا ؟ و لم أكمل كلامي حتى هاج أستاذي و ماج و قال لي بأسلوب لا يقبل مساومة ( ما فيش أي أسئلة في الدين ، و كفاية اللي بيحصل في البلد ) كان يقصد أحداث الإرهاب البشع الذي حدث في البلد عام 91 . فخوف أستاذي منعه من الإجابة و أيضاً جهله بأمور دينه . فهو مسيحي بالاسم ( فالجهل و الخوف أسباب كفيلة جداً لأن تخفي أعظم جمال و تضعه تحت المكيال ) . فقررت أن أعرف عن المسيحية و لكن ليس منه فالمكتب يحتوى على مكتبة للكتب العامة و بعض الكتب المسيحية , و بالفعل بدأت أقرأ عن صلب المسيح و معنى التثليث و أبن الله و محبة الله و جذبتني بحق قصة الحب العجيب التي ظهرت لي جلياً من الصلب و الفداء ووجدتها مقنعة للعقل و مشبعة للنفس ، ولكن الخوف من الاستمرار في هذه القراءات بدأ ينتابني ، و بالفعل توقفت عن القراءة و قررت بأن أستعين بأحد رجال الدين الإسلامي ليجيبني عن كل الأسئلة التي في داخلي و ليمنع جاذبيتي نحو المسيح . فذهبت لشيخ في جامع قريب من بيتنا و حكيت له قناعتي القليلة و مخاوفي الكبيرة و بالفعل أعطاني العلاج الفوري لداء البحث و المعرفة وصفة تتكون من ثلاث خطوات علي الالتزام بها : الخطوة الأولى : أن أوقف القراءة لهذا الدين و أترك مكان العمل . الخطوة الثانية : أن أتوب وأصلي و أصوم ثلاث أيام. الخطوة الثالثة : هي أن أواظب على قراءة المصحف كل يوم . و بالفعل نفذت كل ما طلبه الشيخ ، إلا مطلب واحد و هو تركي للعمل و ذلك لصعوبة موافقة أبي على العمل مرة أخرى ، ومن قراءتي الإسلامية التي زادت في هذه الفترة بدأت أكتشف ما زاد شكي و انزعاجي و لم يعالج دائي ، فالنساء ناقصات عقل و دين و بالتالي فميراث الرجل مثل حظ الأنثين !! و شهادة امرأتين أمام شهادة رجل واحد ( باعتبار أن النساء ناقصات عقل !!) فلا يوجد منا دكتورة أو باحثة أو قاضية أو فيلسوف أو حتى امرأة عاقلة !!) و أن أكثر أهل النار من النساء !! بل أكثرهم حطب جهنم .. ( تخيلوا معي نحن معشر النساء مخلوقين للمتاع في الأرض للرجال وفي الآخرة حطب لجهنم!! أو حور عين للجنة ). و المرأة في الإسلام لا تخرج إلا لثلاث, لبيت زوجها أو لحج بيت الله الحرام أو لتدفن . و آيات القتال في القرآن كم أرهقتني بحور الدم التي إلى الآن لم تقف باسم الدين ، تخيلوا معي بعد واحد و عشرين عاما و أنا أؤمن بشيء يسقط الآن ، وكانت هذه الفترة من عمري هي أصعب فترات عمري فكيف يحيا إنسان كان الله ملجأه الوحيد و الآن بدون ملجأ ، بدون إله . ولكن بعد شهر من السهر و البكاء و انتظار الله الحقيقي أن يخترق السماء و يجيبني كنت أتعب من التفكير فأعود للقرآن فأنزعج أكثر و أشك أكثر ، فقررت أن أقرأ الكتاب المقدس لعلي أجد فيه الحقيقة ، و لكن الناس تقول بأن النسخة الأصلية ليست لها وجود لكن ما العمل. اذاً لا بد ا أقرأ هذه النسخة المحرفة، غير الحقيقية ، لعلي أجد الحقيقة بين السطور. وبالفعل بدأت أقرأ الإنجيل و اكتشفت يسوع ، هذا الاسم الذي سمعته منذ سنين و جذبني رأيته كيف كان يشفي المرضى ويطلق الأسرى أحراراً و يغفر للمرأة الزانية و يحب و يبارك أعداءه ولأول مرة في حياتي أكتشف أنني لم أختبر قلب الأبوة و لا رعاية الأمومة فأبي و أمي منفصلين منذ زمن و أنا البكر بين أخوتي . والآن أشعر أن يسوع أبي و أمي و شعرت أنه يضمني إلى صدره يأخذني بين ذراعيه كطفلة و يسقط كل الأحمال التي أحنت ظهري و يشعرني لأول مرة في حياتي إني امرأة حقا. إنسان حقا . محبوبة حقا. ليست للمتاع أو السلعة بل مخلوقة على صورة الله ، فبكيت بكاء الناجين من النار بل بكاء الناجين من الموت. في هذا اليوم قلت له يا يسوع أنت إلهي و مخلصي ، أنت أبي و أمي أنت كل شئ لي في الحياة. ومن هذا الوقت بدأت مرحلة أخرى ممتلئة بالأحداث و المعجزات و بالاضطهاد و لكن لكل هذا حديث أخر في المستقبل . ليلى اسمي: مظفر ميلادي : تم في سنة 1969 . كنت الطفل البكر .. لعائلة متوسطة الحال في مدينة تتسم بالجمال والهدوء. كبرت وتربيت على الإحساس بالمسئولية، كنت طفلا ليس ككل الأطفال، لا ألعب كثيراً ولا انزل إلى الشارع كأطفال الحي الذي أسكن فيه .. وكنت دائم الالتزام باخوتي الاثنين ( المتوسط حسن والصغير أنور ) لأن طبيعة عمل أبى في مدينة أخرى غير التي نسكن نحن فيها أجبرني للالتزام .. وجعلني العب دور أبى الغائب اكثر أيام الأسبوع . ومرت الأيام والسنون دون مشاكل لي ولعائلتي، فمن الناحية الاقتصادية نحن شبه أغنياء، فتعليمي كان في مدارس خاصة. ومن الناحية الدينية، كنا مسلمين نصلي ونصوم .. نقيم الفرائض ولكن بشكل عادي غير متزمت أو متعصب. إلى أن جاء اليوم الذي فجر كل علامات الاستفهام بداخلي وغير مجرى حياتي .. من حياة عادية .. إلى حياة مليئة بالمفاجآت والمتغيرات. هذا اليوم يوم دخولي المرحلة الثانوية،هذه المرحلة المهمة جداً بحسب رأيي لكل شخص، لأن فيها يبدأ الإنسان في البحث عن ذاته.. في البحث عن أشياء تعود أن يتلقاها دون فحص أو امتحان أو حتى استفهام بديهي؟!!! فكل منا توارث دينه .. ولونه .. ولغته .. وجنسه لم يختر أحد منا أي شيء من هذه الأشياء رغم أهميتها وتأثيرها.. وتشكيلها لكل منا، فنحن نتعامل بهذا التراث الجبري مع أنفسنا .. ومع الله .. ومع الآخرين فمثلاً : نحن المسلمون ولدنا وتربينا على كره اليهود وبعضنا تربى على كرهه اليهود والمسيحيين، وعلى أننا نحن المسلمون خير أمة أخرجت للناس، ولا يتخيل أحد منا أن الآخر اليهودي أو المسيحي أو .. الخ على صواب إطلاقا. هذه الفكرة ( صواب الآخر ) لا تأتي حتى في الأحلام!! وعلى ما أظن أن قلة قليلة جداً هي التي تفكر في البحث عن الأشياء التي تسلمتها بالوراثة. وعلى مدى صحة هذا التوارث لأننا أن كنا نطالب الأخر ( اليهودي أو المسيحي ) أن يبحث في تراثه لاكتشافه وتنقيحه، لأننا على يقين مسبقاً انه على خطأ، ونعتبرهم عميان لأنهم يقبلون تراثهم دون فحص، فنحن بالأولى ينبغي أن نفعل ذلك ( المنطق يقول كما تريد أن يعاملوك الناس عاملهم أنت أيضا) وعلى ما أظن أن إعادة البحث في التراث .. و محاولة كشف حقيقته تجعلنا اكثر تجذرا وثباتا في مناطق الصواب فيه وتجعلنا مرنين ومتطورين ومتغيرين في مناطق الجاهلية والباطل فيه فبالتأكيد إن الإله الحقيقي يحب القوم الباحثين عن الحق وعن النور .. وعن الخير.. وعن الحياة الأفضل. وبدأت المرحلة الثانوية… بعلاقات جديدة .. ومدرسة جديدة .. مليئة بالمفاجآت والتنوع ( وعلى ما أظن أن المدرسة لن تنسى في تاريخها هذا الجيل) . تعرفت على طلبة ملحدين لا تؤمن بوجود الله وعلى طلبة من الجماعات الإسلامية المتعصبة إلى حد العنف ، وعلى طلبة يحيوا سنهم ومراهقتهم .. غير مهتمين بشيء غير البنات.. تنوع عجيب وثري .. وبالذات بالنسبة لي .فمن حياة عادية تقترب إلى حد الملل .. إلى حياة ثرية كماً وكيفاً. وبدأت اصنع علاقات متعددة وعميقة إلى أن تعرفت إلى شخص أصبحنا في وقت قليل صديقين بمعنى الكلمة.{ أتخيل بعد 16 عام تقريبا من صداقتنا أن من لا يختبر الصداقة الحقيقية يظل وحيداً إلى الأبد .. لا يعرف معنى الدفء.. والمعية.. والصدق .. والإخلاص .. لم يكتشف الآخر لانه لم يكتشف ذاته أولاً .. "سامحوني فأنا متعصب للصداقة" وكان صديقي الجديد ( باسل ) يحمل نفس أفكاري عن الإنسانية باعتبارها ذات منبع واحد هو أبونا آدم وأمنا حواء .. وان الإخاء والصداقة هو الشعور الذي ينبغي أن يحكم كل العلاقات الإنسانية وهو الوحيد القادر على تخطي كل الحواجز الوهمية منها والحقيقية ( حيث حاجز العقيدة واللغة واللون والجنس والطبقة ) وكان يقول: أن البشر لو عادوا لحقيقة الوحدة لم تكن هناك حروب أو مجاعات ولا صبح العالم اكثر سعادة مما نحن فيه الآن .. لأصبح العالم بيتاً صغير لعائلة كبيرة .. حيث السلام والعدالة والمساواة والحرية . وكانت هذه المبادئ هي شغلنا الشاغل حتى في علاقتنا العاطفية كنا ننتمي لهذا النوع من الحب الأفلاطوني .. ( هذا النوع من الحب الذي يقدس الروح ولا يهتم بالجسد ) كانت لحظات وأيام وسنين جميلة حقا . كنا مراهقين مثاليين .. نحمل قلب الأطفال .. وبراءة الأطفال .. ودهشة الأطفال. حيث حلم اليوتوبيا ( المدينة الفاضلة ) كان حلمنا المفضل والمُلح في اليقظة وحتى في المنام. أتذكر كنا نقضي ليالي كاملة في النقاش والقراءة .. وكانت لعائلتي شقة أخرى غير التي نسكن فيها، كانت بمثابة صومعتنا أنا وباسل .. كنا نقضي اكثر أوقاتنا فيها نكتب، ونسمع الأغاني التي نعشقها ونقرأ كل الكتب الممنوعة وغير الممنوعة ( باعتبار الممنوع مرغوب ومن وجهة نظري الممنوع مرغوب وأيضا مطلوب) وكانت ممنوعاتنا من نوع خاص. ليست هي بالسجائر أو المخدرات ولكن ممنوعاتنا كانت من هذه الكتب التي حرم علينا قراءتها، لأنها كانت محرمة. ( ما تدخلنيش الجنة يارب لو للجنة سور ) صلاح جاهين وكان صديقي باسل يثير أسئلة عديدة. أتذكر كان يقول لي أن دعوة التحريف التي يعلنها الإسلام عن اليهودية والمسيحية دعوة تسقط كل الأديان . حتى الإسلام ذاته. كنت أقول له كيف؟! الإسلام الوحيد المحفوظ .. والمهيمن عليه وأقول له الآية الشهيرة ( إن نحن نزلنا الذكر وأنا له أتحافظون) فيقول، نحن نصدق هذا الكلام لأننا مسلمون .. ولم يحاول أحد منا أن ينظر لمسألة التحريف نظرة محايدة وموضوعية بمعنى.. هل الله هو الذي أوحي بالتوراة والزبور والإنجيل؟ أقول له: نعم فيقول باسل هل مبدل لكلمات الله أو مغير لها. فأقول له الآيات التي تعلن انه لا تبديل لكلمات الله و لا تغيير، فلا يقدر أحد من البشر أو حتى من الملائكة أن يفعل ذلك لأن الله هو القادر والقوي والجبار الذي يقدر أن يحافظ على كتبه. فيقول باسل: أنت تؤمن أن الله قوي وقادر على كل شيء وجبار ولا مبدل لكلماته، فكيف سمح أن يحدث التحريف ليس فقط لكتاب واحد من كتبه بل لجميع كتبه ما عدا كتاب واحد. فسمح بتحريف التوراة الذي أنزله على موسى!! وبعد ذلك سمح بتحريف الزبور ( المزامير ) الذي أنزله على داود!!! وبعد ذلك سمح بتحريف الإنجيل الذي أنزله على عيسى!!!! وبعد 600 سنة تقريباً .. ستة قرون متكاملة .. أجيال ماتت وأجيال عاشت على الضلال وعلى تحريف الكتب المقدسة. آتى الله بكتاب لا يقدر أحد أن يحرفه !!!!! فجأة اصبح الله قوي وجبار وغير مبدل لكلماته ، بعد كل هذا التاريخ الذي حرفت فيه كتبه وضلت فيه عباده ( بني إسرائيل الذي فضلهم على العالمين ) والقسيسين والرهبان الذين يتلون الكتاب ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!! كل هؤلاء ضلوا .. فهل تتخيل معي اله لم يقدر أن يحفظ كتابه من التبديل والتغيير والتحريف .. يقدر ان يحفظ عباده؟!! كنت أفكر واصمت ولا أجد أجابه للرد عليه، لأنني كنت أعلم أن القضية ليست في إيجاد حلول أو إجابة تنقذ الله من المعضلة التي وضع نفسه فيها .. ولم يضعه فيها أحد. وفي نفس الوقت كنت أثق في علامات استفهام صديقي باسل وإنها استفهامات منطقية يسألها أي شخص عاقل يفكر وكنت اعلم أيضا انه يحمل نية خالصة لله لا يطلب منها رضا بشر أو متع الدنيا الزائلة. وكان يقول لماذا ندعي نحن المسلمون بتحريف الكتب المقدسة وفي نفس الوقت ندعي بحفظ القرآن وحده ( وكأن القرآن وحده هو كتاب الله ) فهل يوجد لدى الله محاباة بين كتبه ورسله؟!! وهل لا يهتم الله بهذه الأجيال من البشر التي ماتت في ضلال وهي تتخيل أنها ماتت على حق.. سنين من الإخلاص يقرؤون الكتب بكل تقديس وبكل طهارة وبكل تقوى وهي في الحقيقة كتب محرفة. فيا صديقي.. أنا لا أؤمن بان الله الحقيقي يفرق بين أحد من كتبه ورسله ..ولا أؤمن حتى انه يفرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى.. ولذلك يا صديقي ينبغي أن نسأل كل هذه الأسئلة ليس لليهود أو للمسيحيين ولكن نسألها لله سبحانه وتعالى. كنت اشعر أن باسل صادق في كل كلمة يقولها، أتذكر أن بعض الليالي كنا نقضيها في قراءة الكتب الثلاثة (التوراة والإنجيل والقرآن ) نخرج التشابه والاختلاف بينهم. كانت أوقات جميلة .. رغم أنها كانت مرهقة جدا فكريا ونفسيا .. لان النزاهة الفكرية والحياد في البحث أمر ليس بهين.. فلا يوجد اسهل من أن تخرج دينا صحيحا وآخر خطأ دون بحث حقيقي.. يرضي ذاتك ويرضي الله. وكان باسل يقول لي هل العملة الجيدة تكون أولا أم العملة المزيفة تكون أولا؟ أقول له طبعا العملة الجيدة الحقيقية أولاً ، وبعد ذلك تقلد وتزيف .. فيقول المنطق يقول هذا ولكن كيف يسمح الله أن يكون كتبه الثلاثة الأوائل محرفة وكتابه الرابع ( القرآن ) هو الوحيد غير المحرف .. كيف؟!! أين العملة الحقيقية التي نقيس عليها التحريف؟ الكتب الأولى؟ أم الكتاب الأخير؟!! وكان باسل يتأسف كثيراً وهو يقول لي .. " سامحني يا صديقي كيف يجرؤ شخص سمح بهذا التفريط في كتبه أن يطالبنا بهذه الثقة في كتابه الرابع !! هل تصدقوا إنني كنت اقبل هذه الاستفهامات الجريئة من باسل دون أدنى إحساس انه يسخر من الله أو من القرآن أو من أحد. فأنا اعرفه بحق انه يحب الله ويحترم الجميع .. لكنه فقط كان يفكر بعدالة وبأمانة وبلا أي محاباة.. فكان يقول لي دائما .. أن الآخرة لن ينفع فيها شفيع إلا الحق. فكان باسل يثير كل الأسئلة البديهية مثلاً كان يقول: كيف حرفت الكتب المقدسة ومتي حرفت واين حرفت ومن حرفها؟! وكثير من الأسئلة التي لم ينشغل أحد من المسلمين الأوائل ولا المتأخرين ( من السلف أو الخلف ) من أن يبذل القليل من الجهد للإجابة عليها وكأن مسألة التحريف واضحة وضوح الشمس ولا يجهلها إلا الجاهل!!! وكان صديقي باسل اكثر مني اهتماما بالأمور الدينية والأخروية. وفي ذات ليلة من ليالينا الجميلة المليئة بالنقاش والبحث.. اخترقنا الصمت نحن الاثنين في لحظة واحدة ، ولمعت في أذهاننا فكرة أيضاً واحدة ( نوع من توارد الأفكار التي كنا نسمع عنه) الفكرة كانت أن نصنع لنا ولأصدقائنا شبه كتيب يحمل مبادئنا وأحلامنا وأفكارنا وحواراتنا ولحظاتنا الجميلة. في نفس الوقت كان هذا الحلم يداعبني ويداعبه، وبالفعل لم نترك اللحظة التي تحمل الحلم تعبر علينا عبور الكرام دون أن نرصدها ونوقفها ونبدأ في تحقيقها، وكانت هذه الليلة في سنة 1986 ليلة لا تنسى، كان اسم الكتيب ( لا نؤمن ) وكانت أفكاره تدور حول ما لا نؤمن به ، أتذكر هذه المقدمة المتمردة التي كانت تقول: نحن أسرى العادات والتقاليد والأحاسيس المألوفة والحواس العاجزة. وفي يوم جاءني باسل .. رأيت في عينيه شيء لم أره من قبل، وكأنه يحمل سرا لا يقدر صدره أن يحتمله. شعرت أن عينيه تسبق لسانه في إفشاء سره. بدأ يتمشى أمامي ويتكلم بصوت عال وكأنه يفكر بصوت عال وليس يحاورني ( كان بالحق حوار خاص جداً). وبدأ يقول : أنت تعلم أني ابحث منذ زمن بعيد واقرأ كل الكتب المقدسة وغير المقدسة وكنت أحاول دائما أن أكون محايدا ، فأنا لا ابتغي غير وجه الله وليس لدي أي نية مسبقة في إعلاء دين عن دين آخر. وبعد وقت من البحث المرهق والليالي الباكية الباحثة عن لحظة أمن وعن حضن أب يحتوي تيه وترحال الابن الضال، لا اكذب عليك.. و أقول ان طريق البحث المحايد رحب أو مفروش بالورود، بل على العكس تماما في لحظات كنت اشعر أنى اغرق داخل طوفان من الأسئلة التي ليس لها إجابة، ولحظات أخرى كدت أتنازل عن هذه المحايدة النزيهة وامسك بأي دين كغريق يمسك بقشة ، ولكن لا اقدر أن أنكر أن قوة العلي كانت تظللني، كنت اشعر في ذروة الإرهاق والإحباط برجاء جديد يتسرب إلى روحي بقوة جديدة تعضد مفاصلي .. تنهضني .. معونة جديدة تجدد منابعي.. وكانت هذه الأشياء بمثابة علامات على الطريق. كنت في كل صباح اجدد عهودي بالاستمرار نحو الهدف والمثابرة لاكتشاف الحقيقة لاكتشاف إلها يصالحني مع السماء .. ويصالحني مع ذاتي .. ويصالحني مع الآخرين.. كل الآخرين.. الأحباء منهم والأعداء ، إلها يقدر أن يغير قلبي .. بل يخلق في قلباً جديدا.. قلباً يعرف كيف يسبحه .. كيف يرحم .. كيف يغفر .. كيف يرعى .. كيف ينير .. كيف يغير العالم إلى عالم افضل. فهل تصدق يا صديقي أن هذا الإله الرائع العظيم وجدته.. هو مخلصي والهي وتاجي وعزي وسيدي وقضيتي ونضالي .. يسوع المسيح . صدقوني رغم معرفتي الجيدة بباسل وبأفكاره المتطورة، لكن لا اقدر أن أنكر أن خبر ارتداده عن الإسلام نزل علي كالصاعقة. فصديقي الذي احبه.. قد ترك الإسلام وكفر، لم أستطع الرد عليه وشعر هو بصدمتي فتركني بمفردي أعيد حسابات صداقتنا وحسابات بحثي. وبدأ القلق ينتابني وشعرت أن الشك بدأ يتسرب إلى مورثاتي ، وأن جذوري تقتلع، فقلت لنفسي ان هذا الشعور بالشك الذي أصابني .. أصابني لاني لا أعرف ديني حقا ، وغير ملتزم التزاما كاملاً به ولعلي إن درست الإسلام والتزمت بكل فروضه ونوافله لأصبح لدى إجابات على كل الأسئلة التي تدور في رأسي ، وحينئذ سوف يتبخر الشك من قلبي وينبت بدل منه الإيمان الراسخ بالإسلام .. ديني ودين آبائي. وبعد ذلك سوف اقدر أن اهدي صديقي باسل الذي ضل الطريق وكفر. وبالفعل ذهبت إلى باسل وقلت له كل ما يدور في نفسي، وفوجئت برد فعله الذي كان بمثابة صاعقة أخرى لي فهو لم يرفضني ولم يرفض ما قلته ولم يستاء حتى ولو بوجهه ولكن على العكس إطلاقا، كان فرحاً بما وصلت إليه وكأنه كان يريد مني أن ادرس الإسلام وان التزم بحق وان أصير مسلما بكل ما بالكلمة من معنى. فشجعني باسل وقال لي ( الحق لا يعرف برجال ولكن الرجال يعرفون بالحق ) وان الله لم يترك شخصا يبحث عنه بصدق يقع في الضلال! ولذلك أنا لا أخاف عليك كما لا أخاف على نفسي. فأستمر فيما أنت مزمع أن تفعله ولتلتزم بالإسلام والله الموفق. ولكن انتبه يا مظفر .. أن النية الصادقة وحدها لن تكفي للوصول إلى شاطئ الحق، ولكن النية الصادقة مع البحث المحايد والنزيه والعادل مع المثابرة بدون كلل ، كل هذا سيوصلك إلى شاطئ الأمان بإذن الله، حيث الطريق والحق والحياة الأفضل. وبالفعل بدأت حياة الالتزام والدراسة الإسلامية العميقة والتزمت في جماعة إسلامية تسمى الجماعة السلفية. كنا نصلي معاً كل الفروض في المسجد، ونحضر دروس تعليم الفقه والعقيدة، ونخرج ندعو الشباب إلى حياة الالتزام الإسلامي، وكنت اذهب أنا والاخوة كل فترة للاعتكاف .. ثلاثة أيام، أو أسبوع، أو اكثر.. للعبادة والصلاة في مساجد في مدن أخرى. وكنا نصنع المعسكرات لنقرأ القرآن ونناقش الأمور الدينية والسياسية المعاصرة والمُلحة على الجماعة. وكان هذا تحت إشراف أساتذة جامعيين وصفوة شباب الأمة ( طب .. هندسة .. حقوق .. آداب) ورغم هذا الالتزام وتغيير كثير من أشكال حياتي القديمة في البيت ومع الجيران ومع أصحابي في المدرسة، فكنت أحرم التليفزيون والأغاني وكل أنواع اللهو. وكنت آمر أمي وكل أقربائي النساء بلبس الخمار ( الزي الإسلامي للمرأة ) وآمر أصحابي كلهم بالالتزام بالصلاة في أوقاتها، كل علاقاتي تغيرت ، إلا علاقتي مع باسل .. لم أقدر على تغييرها رغم إننا أصبحنا الآن مختلفان إلى حد التناقض والتنافر في العقيدة، فهو كافر في نظر عقيدتي التي أصبحت الآن كل شيء، ولكن في نظر إنسانيتي التي لم أقدر أن أتخلى عنها .. هو صديقي الوحيد. نعم هو كافر لانه اصبح مسيحيا، ولكنه صادق ومخلص وأمين ومحب للجميع. وكنت أدعو الله دائماً أن يهديه للإسلام .. أتذكر أن الاخوة في الجماعة السلفية كانوا دائماً يطلبون مني أن اقطع علاقتي معه، وان أحاربه لأنه كافر ( أنه قد عرف عن باسل في مدينتا انه اصبح مسيحيا ) ونتيجة لذلك مر باسل باضطهاد ليس بقليل . ولكني كنت أراه دائماً صلباً وبشوشا وغافراً ومحباً لمضطهد يه. وكانت هذه الأحاسيس تبهرني وتصيبني بشلال من علامات الاستفهام كيف يمتلئ بهذا السلام والحب وهو شخص كافر؟!! كيف لا يبادلهم شرا بشر، وعينا بعين، وسنا بسن؟!! كنت اعرف منه انه يشابه المسيح الذي يؤمن به. كان يقول انه يحب أعداءه ويغفر للمسيئين إليه ، وأمام هذا الحب كانت تتضاءل كل سنين التزامي بالإسلام ، وتشددي ، وتعصبي الذي جعلني لا احمل هذا القلب ولا احمل هذا الحب. كان هذا الحب يواجهني ويواجه كل ما أعلنه بان ديني هو الدين الحقيقي .. وان الهي هو اله الكون ، وأننا خير واعظم أمة أخرجت للناس ، وان نبينا هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، كل هذه الأشياء لم تكن تصمد أمام هذا النهر الجارف من الحب. فكنت اهرب و أعود إلى التزامي، لعلي في يوم من الأيام أتغير و أصير أقوى من باسل ومن اله باسل فأواجهه وانتصر عليه. وبعد سنتين كاملتين من الالتزام الكامل بالفرائض الإسلامية ومن البحث المخلص والامين بدأت اكتشف اكتشافا يهز كياني ويشككني اكثر من كل الماضي، اكتشفت أن كل العبادات الإسلامية لم تكن وليدة الوحي الإسلامي بل كانت موجودة قبل الرسول وقبل القرآن في الجزيرة العربية. واكتشفت أيضا أن الشريعة وكل الحدود كانت تطبق قبل الإسلام وان كثيرا من التعاليم مأخوذة من التوراة (رجم الزاني .. قطع يد السارق .. الخ ) وان المسيحية التي حاربها الإسلام والتي يقول عنها بان أصحابها يؤمنون بان الله ثلاثة ويرد عليهم بان الله لم يلد ولم يولد . { باعتبار انهم يقولون بان الله تزوج مريم وانجب المسيح ابن الآلهة} وانهم يقولون أن المسيحيين اتخذوا عيسى وأمه مريم العذراء الهين من دون الله ، كل هذه المسيحية المعلنة في القرآن ، اكتشفت إنها ليست هي المسيحية الحقيقية ، ولكنها الهرطقات التي كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل عصر الرسول وفي عصر الرسول. فالمسيحية الحقيقية تؤمن باله واحد قبل الإسلام بستة قرون ، وبها تعليم ومبادئ سامية لا يقدر بشر أن يواجهها إلا وهو خاشع. بعد أربع سنوات من الدراسة والنقاش والبحث والالتزام الإسلامي في الجماعة السلفية وسهر ودموع وبكاء لله تعالى لكي يهديني إلى الطريق الصحيح قررت التوقف وان أعيد حساباتي كلها، ولكن كان التوقف أزمة كبيرة فأنا ملتزم مع جماعة بشكل يومي في المسجد ودروس العقيدة والفقه والخروج للدعوة فكيف كنت اترك كل هذا فجأة وكيف احلق لحيتي ولا ارتدي الجلباب الزي الإسلامي ، وكيف .. وكيف .. كيف .. وماذا سيقولون عني بالذات وأنا لي علاقة بصديقي الذي اصبح مسيحيا، سيقولون أنني أصبحت مسيحيا مثله وتبدأ المشاكل ويبدأ الاضطهاد . ولكن رغم كل مخاوفي تلك لم أجد مفرا من مواجهة الحقيقة وجها لوجه ولكن بمنطق وبحكمة وبعد أربع سنوات من البحث المضني لا يمتلك الإنسان إلا الاعتراف بنتائج البحث مهما كانت ضريبة هذا الاعتراف. وبالفعل قررت التوقف وبدأت اطلب من الله أن يعرفني الطريق الحقيقي فأنا الآن اكثر شكا واكثر اهتزازا من كل الماضي في عقيدتي الإسلامية واكثر اقتناعا بالمسيح. ولكن رغم محاولات صديقي باسل لإيضاح كل القضايا والإشكاليات التي كانت تواجهني في المسيحية وعدم يأسه معي لمدة أربعة سنوات متواصلة شبه يوميا يتكلم معي عن المسيح بكل مثابرة وبروح مليئة بالجدية والثقة أصبحت أنا شبه مؤهل أن اقبل المسيح إلها ومخلصاً، ولكن كان يوجد شيء بداخلي ما زال لم يتشرب هذا الإيمان ، ما زال الإيمان بالمسيح لا يملئ كل كياني فقلت لصديقي باسل إنني لا اعرف السبب فقال لي ولا أنا اعرف ، ولكن هل تثق أن الله يعرف كل شيء وهو الوحيد القادر أن يجيبك وان يشبع كل مناطق الجوع التي فيك للحق؟ قلت له أثق. قال وأنا أيضا أثق في الله لذلك دعنا نصلي له لكي يظهر ويعلن لك ذاته بوضوح فالله الذي نؤمن به إلها قريبا حقا ، لا يسمع فقط صلواتنا ولكن يتكلم معنا لانه حي ويتفاعل معنا ليس وهم أو إيحاء نفسي نخدع به أنفسنا ونخدع به آخرين . فقلت له أنا أؤمن بكل ما تقول يا باسل وبالفعل بدأت اصلي واطلب من الله أن يعلن لي ذاته بكل وضوح كضال يهديني .. وكعطشان للحق هو وحده القادر أن يرويني .. وكان هذا في سنة 1988 في ليلة من ليالي آذار الباردة جداً قضيت طول الليل في صلاة لم تنقطع .. ودموع لم تجف .. إلا عند اختراق الفجر لهذا الليل الطويل الذي كان يحمل مخاض الأربع سنوات .. فأنا متذكر بكل تفاصيله رغم مرور أحد عشر عاما عليه , كانت بالحق ليلة في قدس أقداس الإله .. أربع سنوات من الإرهاق ومن عدم الآمان ومن القلق .. رغم محاولاتي الدائمة لكي ارضي الإله لكي اشعر ولو للحظة واحدة انه معي .. انه قريب مني .. انه يشعر بي ولكن على العكس … كنت ازداد إسلاما فازداد وحدة .. كنت ازداد طاعة فأزداد قلقاًَ.. كنت ازداد خشوعا فأزداد خوفا.. أربع سنوات بلا سكينة أو هدوء أو طمأنينة أو أمان .. رغم كل ادعائي أن اله الإسلام اقرب إلينا من حبل الوريد!!!! ولكن ها أنا الآن رغم عدم اعترافي بالمسيح إلها.. ولكن اقترابي منه فقط وملامستي لهدب تعاليمه ورفع قلبي نحوه عوضني عن سنين القحط والوحدة والمرارة .. ملئني بالفرح والسكينة وبهدوء لا اقدر ان أوصفه وبأمان لم اختبره طيلة حياتي . وفي الصباح الباكر كنت أريد أن أهرول إلى الجميع إلى كل أهلي ومعارفي وأصدقائي لأقول لهم عن الكنز الذي اكتشفته عن الإله الحقيقي الذي عرفته عن يسوع المسيح الذي احبني فعشقته .. وبالفعل ذهبت إلى باسل وحكيت له كل قصتي من بدايتها وحتى نهايتها وكأنه لا يعرفها وكان باسل ليس في حالة الإصغاء التي تعودت عليها ولكن كانت دموعه تسقط بغزارة ولسانه لم يتوقف عن الشكر لله ,كأم كانت تستقبل ولدها وكأب انتظر أربع سنوات عند مشارف المدينة عودة ابنه الضال. مظفر هذه قصة اهتدائي إلى المسيحية ، أسمي إبراهيم .. وكم أعتز باسمي العربي إنه اسم أبي الأنبياء وأسمي الجديد الآن تيموثاوس لكن هذا لا يغير من واقعي إني إبراهيم، أبو خليل ، ابن الفلاحين البسطاء الذي تربى على الحصيرة واللمبة نمرة خمسة والجبن القريش والمذاكرة على الترعة والجلابية البيضاء التي زلت ألبسها حتى الآن . في طفولتي قبل دخولي المدرسة الابتدائية ، اصطحبتني أمي باليد وأودعتني إلى كُتاب القرية . وهناك تعلمنا القراءة والكتابة وحفظ القرآن على يد أحد الشيوخ. وفى أخر الأسبوع كان يتقاضى منا (بريزة)عشرة قروش على بعضها ، في الكُتاب ترسخ في ذهني وقلبي طاعة الله فاطر السماء والأرض . وما إن بلغت المرحلة الإعدادية حتى أزداد اهتمامي بحلقات الذكر في المساجد . في بداية مشوار التدين ، بدأت أحضر حلقات العبادة الصوفية لجماعة القرية. كنا نهيم في ذات الرسول مبتهلين( نظرة ومدد يا رسول الله ) . وذات يوم عقب صلاة المغرب بمسجد المحطة ، أقترب منى رجلان وتعرفا علي،فكان الأول أسمه ( محمد) والأخر (سليمان) قال أحدهم حرماً فردت : جمعاً إن شاء الله . رأيت فيهما طيبة لا أنساها وحرص شديد على إرضاء الله سبحانه وتعالى ، متزودين من خير الزاد وهو التقوى . تعرفت على بقية أصدقائهما ، ذلك أنهم قوم تحابوا في طاعة الله ، فبهرني منهم ذلك الترابط العجيب . كانوا خيرة شباب بلدنا توسموا فِي ذلك الولع الشديد بعبادة الله ومقدرتي على الخطابة . كنت ألقى خطبة تلي خطبة أمير جماعتنا ، وذلك في الاجتماع الذي كان يعقد في الاثنين الأول من كل شهر عربي . لا تستغربوا إذا قلت لكم أني بدأت الخطابة في المسجد وأنا لم أتجاوز الرابعة عشر من عمري . لا لوم علي إن فعلت هذا ، الشافعي رحمه الله كانوا يستفتونه وعمره 6 أو 9 سنوات ، أذكر أني أول ما وعظت به في المسجد كان حول الطريقة المثلى للاحتفال بالمولد النبوي ، كنا نجتمع على الصوم والإفطار في المسجد جماعة إن شاء الله ، مقتدين بالرسول في كل شئ حتى في أصغر الأمور" كطريقة مشيه و تعوذه و طريقة الأكل والشرب و الملبس .. الخ" .فأنا أدين لهؤلاء الأخوة بتشجيعي على القراءة والبحث والاستقصاء ، وبسبب هذا وصلت إلى ما أنا عليه الآن. في يوم فوجئت بأحد أصدقائي يقول لأبى إن إبراهيم أحد الخطباء في الجماعة السنية، و أنه يحضر معهم اجتماعاتهم العلنية و السرية فتضايقت لأن هذا الصديق الذي قال لأبي ذلك هو نفس الشخص الذي شجعني في البداية أن ألتزم بالدعوة الإسلامية و أن أصبح عضوا في جماعة الأخوان المسلمين فاندهشت !.لأننا كنا نجول معاً من مسجد إلى مسجد لنشر الدعوة . كم كنت أتمنى لو أن والدي حاضر في المسجد أثناء إلقائي الخطبة. ولكن بعد إفشاء سري لوالدي أصدر والدي إلي التحذيرات و التهديدات المرة تلو الأخرى لعلى أتراجع عن موقفي وأبتعد عن الإخوان المسلمين . لأننا كجماعة أصبحنا معروفين إلى هذا المخبر الذي يدعى محمد الذي ينقل كل أخبارنا و تحركاتنا إلى مباحث أمن الدولة كان يسجل خطبنا ويسلمها لمكتب أمن الدولة في المنطقة . كنت أشعر بشيء من الزهو بنفسي والأخ منير يسجل خطبي في المسجد ، لكن لا أنا ولا أبى كنا فرحانين بأن أسمي وصل أمن الدولة ، عندئذ ضاق بوالدي الأمر خوفاً على سلامتي ، فذهب إلى الإخوان المسلمين في الجامع وصرخ فيهم أمام الناس أن يبتعدوا عنى . ثم أتى إلي وضربني وكسر أسناني ، إلى الآن السن الأمامي مكسور وتحمل ذكرياتي مع الإخوان المسلمين ، ولأول مرة في حياتي حرق والدي كتبي الدينية خوفاً علي من ( الجماعة السنية ) ثم حلف والدي على أمي بالطلاق لو أنني إستمريت في دخولي جامع السنية هذا مرة أخرى ، فأستر حمته أن يأذن لي أن أجلس خارج الجامع حتى أستمع إلى شيوخ الإخوان المسلمين دون أن أنقض يمينه . فكان يجلس إلى جواري خارج المسجد وأنا كلي آذان صاغية . لم يوقفني التهديد ولا الوعيد عن نشر الدعوة الإسلامية ، فكنت أقف بين زملائي في طابور الصباح كل يوم خطيباً إسلامياً جهورياً . في ذلك الحين فرضت الحجاب على أختي وأحجمت عن مصافحة النساء والاستماع إلى الغناء خوفاً من أن يُصب الله الرصاص المسكوب في أذني يوم القيامة كما حذرنا الرسول . تعرضت لكثير من السخرية والاستهزاء من الجيران لاجتهادي على تطبيق القرآن والسنة النبوية بحذافيرها . فما ذنبي إن كانوا قد قالوا لي أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأن (الإسلام هو الحل ) ؟ ! وبينما أنا أجاهد على نشر الدعوة الإسلامية خطر في بالي هداية أصحابي المسيحيين إلى الإسلام لعلي أفوز معهم عندئذ بالجنة . و لو سألتني في ذلك الوقت عن رأيي في النصارى لأجبتك بأنهم كفار ومشركين ولكنى اكتشفت من داخل القرآن نفسه عكس هذا الكلام لما جاء في سورة المائدة أية 82 :[ لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ] . بموجب هذه الآية فصل القرآن ما بين النصارى وما بين الذين أشركوا . فلو كان النصارى من المشركين لما فصل بين الاثنين . أيضاً في سورة البقرة 62 يشهد القرآن للنصارى بالتوحيد والحق : [ إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين , من أمن بالله واليوم الأخر ، وعمل صالحاً فلهم أجرهم عن ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ] حاولت إقناع المسيحيين بالإسلام سواء التقيت بهم في المدرسة أو في المناطق المجاورة لنا أو عن طريق المراسلة التي أشعلت الصراع الديني في داخلي و جعلتني أقارن بين الإسلام و المسيحية من فيهم الصواب و من فيهم الخطأ ، من فيهم طريق الله و من فيهم طريق الشيطان لمدة عامين كنت أصارع .. كثير من الأوقات قررت فض هذا الصراع الداخلي بأن أتوقف عن مطالعة الكتب المسيحية والاكتفاء بتلاوة القرآن مع مطلع كل صباح جديد والسير على هدى النبي . أردت راحة البال مطيعاً لله مخلصاً له الدين و ترتب على ذلك إني تخلصت من كتبي المسيحية حتى أكون مسلما موحدا بالله . لكن الله عز وجل لم يتركني وحالي ، فكان ينخسني في منامي بروحه القدوس ، فإذا ما أويت إلى الفراش لم يهدأ لي بال و لم يرتح لي ضمير ، قضيت الليالي الطوال بلا نوم أو راحة . تساءلت : " لو أن محمد فعلاً خاتم الأنبياء فلماذا لا يأتي في أخر الأيام بدلاً من المسيح حكماً مقسطاً عدلاً ، ويكون بذلك محمد أحد علامات الساعة لا المسيح ؟!! وما السر وراء عظمة المسيح من بين كل الأنبياء حتى صار هو مركز التاريخ ؟ ألسنا نقول بأن هذا الحدث التاريخي حصل قبل الميلاد وذاك الحدث حصل بعد الميلاد[ ق.م ، ب.م ] ؟ ما السر وراء عظمتك يا عيسى أبن مريم؟ هذه الأسئلة و أكثر منها جعلتني أقرر عقد مقارنة بين المسيح و محمد [ و بعد وقت من المقارنة اكتشفت أنها مقارنة غير عادلة حتى في القرآن ]. ففي قلب القرآن نفسه لا تجد المسيح يستغفر الله على أية خطية أو ذنب كما فعل باقي الأنبياء والمرسلين ،( لأن المسيح صدق حينما تحدى قادة اليهود قائلاً : " من منكم يبكتني على خطية ؟ في حين أنه هو الذي وبخ اليهود على تقواهم الزائف حينما أمسكوا بامرأة تزني في ذات الفعل ، وقال لهم : " من منكم بلا خطية فليرجمها أولاً بحجر " فانصرفوا عنه وضمائرهم تبكتهم) . على العكس من ذلك وجدت محمد شأنه كشأن باقي البشر بحسب القرآن نفسه مساو لهم في كل شئ في ذنوبه و عدائه للكفار و موته مثل كل البشر ، جاء في سورة محمد 47 : 19 [وأستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ] ، وفى سورة الفتح 48 : 2[ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ] ، وفى سورة الإسراء 17 : 74 [ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً.]جاء في أسباب النزول للإمام السيوطي الآتي : " وأخرج عن محمد بن كعب القرظي : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ " والنجم – إلى – أفرأيتم اللاتي والعزى فألقى عليه الشيطان : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فنزلت وما زال مهموماً حتى أنزل الله : " ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله السيوطي . كان هذا سبب نزول الإسراء 73 : 74 [ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا اتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً] . لم أجد في الإنجيل ما يقول إن المسيح كاد أن يركن إلى المشركين لولا أن ثبته الله . السبب في ذلك هو ما تعلمته من دراساتي بأن المسيح هو كلمة الله . وبما أن الإنجيل قد دون باليونانية و يعلن لنا أن المسيح هو كلمة الله من زاوية أنه عقل الله المعبر ..فالمسيح هو عقل الله . والله وعقله ذات واحدة ، لا تجزئة ولا انقسام ولا انفصال ، فالمسيح الكلمة المتجسد هو الله الظاهر في الجسد حيث لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة أو طرفة عين . كل هذه الأفكار كانت تدور في عقلي ، ولكنها كانت تتصارع في قلبي،لأني كنت أخاف أن ينزل علي غضب الله ،( غضب الله الذي ينزل على القوم الكافرين ) لذلك من الأعماق صرخت وأنا ساجد في المسجد و في البيت صرخت و قلت : يا رب اظهر لي الحق . لو الحق مع محمد سأتبعه حتى الموت . ولو الحق مع المسيح فسوف أتبعه أيضاً حتى الموت وسوف أعيش لك بالكامل و أخدمك يا رب كل أيام حياتي مهما كان الثمن . ظللت أدعو الله بهذا الدعاء حتى تراءى لي المسيح في رؤية في حلم وقال لي بصوته الحنون : " أحبك " . تأملت في شدة محبة المسيح المضحية إذ بموته على الصليب قد افتدانا و كفر عن سيئاتنا ، وقلت له ودموعي تنهمر على خدي : أحبك : و أعرفك : وأعرف أنك الألف و الياء و أنك أزلي أبدي , البداية و النهاية . كنت كطفل يرقص من شدة الفرح مسبحاً الباري سبحانه وتعالى لأنه وهو قاضي العدل الديان قد قضى أمره عز وجل أن يموت ابنه لئلا نموت في جهنم ،ونصير من الخالدين فيها . نحن لا نقول إن الله سبحانه وتعالى له ولد من صاحبة والعياذ بالله . كل من يقول إن الله سبحانه وتعالى له ولد من صاحبة ( أي زوجة ) نعتبره كافراً بالله لأنه ما أتخذ الرحمن صاحبة ولا ولداً ، نحن نقول إن المسيح ابن الله كولادة النور من النور والشعاع من الشعاع فهي بنوة روحية ، فنحن المصريون أبناء النيل ومنها لا نفهم أن النيل قد تزوج . ليست كل بنوة أو ولادة تناسلية لذلك نقول في قانون الإيمان عندنا : " ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور إله من إله ، نور من نور، إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر به كان كل شئ وبغيره لم يكن شئ مما كان ... في الوقت الذي نشهد فيه أن لا إله إلا الله ولا نشرك بعبادته أحداً . وما هي إلا أسابيع قلائل حتى تعمدت فى السادس من سبتمبر لعام 1987 في بيت قسيس فكانت المعمودية في قلبي تاريخ ميلادي الثاني وأنا أكتب لكم هذه السطور بخط يدي ،و قد مضت إحدى عشر سنة على اعتناقي المسيحية قد أوصيت زوجتي أن يكتبوا على قبرى عندما أموت عبارة "المسيح متنصر" . أجل كل من في الأرض فان و يبقى وجه المسيح ذو الجلال والإكرام . كل الأنبياء قبورهم موجودة الآن ويحجون إليها أما قبر المسيح فهو فارغ لأن المسيح الآن في السماء ملكًا منتصراً ، لأنه بموته على الصليب دان ذاك الذي له سلطان الموت . لك المجد يا حبيبي يا يسوع . قام أقرب أصدقائي بسرقة مذكراتي " الأجندة " وسلمها للأخ سليمان الذي تآمر مع أصدقائي لفضحي ، فدبروا لي مكيدة ، و صوروا مذكراتي التي تشرح إيماني بالمسيح ووزعوها على أهل قريتي و بالفعل فضحوني ( لكنهم أرادوا بي شراً و الرب أراد بي خيراً ) كما فعل أخوة يوسف الذين رموه في غياهب الجب :فكلمة الله تقول " كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله " . و أصبحت عائلتي تشعر بالخزي و العار، فلم تكن والدتي قادرة على السير بين الناس ، إذ صاروا يشيرون بأصابعهم عليها بأن ابنها جلب عليها العار وصار مسيحيا ، فقالت لي أنها قد تبرأت منى ليوم القيامة لم يكسر شئ قلبي سوى الجرح و المهانة و الذل الذي سببته لعائلتي و والدتي و لكن ما الحل ؟ لا: مستحيل أن أترك إيماني بالمسيح ، رغم حبي لوالدتي الذي يزداد يوماً بعد يوم مهما ضربتني بحذائها على رأسي، وفى يوم لبست والدتي الملابس السوداء لإعلان الحداد وقالت للجميع أن أبني إبراهيم مات ، وذات يوم أجتمع أهل القرية لتعذيبي و ضربي و لاستتابتي لكي أرجع للإسلام و كان ذلك أمام أمي و عائلتي ، و ركعت أمي وسجدت على ركبتيها راجية تتوسل إليهم ألا يؤذوني فداسوها بأقدامهم و أمي المسكينة تصرخ تحتهم و هم يقولون ( فضحتمونا ..فضحتمونا ) ، وفي قلب هذا الانتهاك صرخ أحد شيوخ القرية قائلاً:ما ذنب المرأة الضعيفة في ابنها الذي أختار طريق الكفر ، ما ذنب أمه ؟ فأشكر الرب لأنه لولا الريس ، لكنت اليوم في مقابر الشهداء ،و بدأ جميع أصحابي في الابتعاد عني لأنهم رأوا أني سأجلب العار عليهم ، ويصيرون مشبوهين . ومن هذا الوقت صرت نزيل مشهور في نقطة البوليس و في مباحث أمن الدولة، و كان لابد أن أبيت عندهم حماية لي ولعائلتي من أهل قريتي الذين ثاروا وهاجوا وأرادوا حرق منزلنا، وحرقوا كتبي المسيحية ، والبوليس صادر ما استطاع من كتبي و مذكراتي وكأنه يصادر أملاك مجرم مخدرات ، و في ذات يوم كانت توجد رقابة بوليسية حول البيت بما لا يسمح بدخول أي شئ يتعلق بالمسيحية إلى بيتنا لكن كلمة الله لا تقيد ، فجاءتني كلمة الله في ورقة صحيفة مسيحية حيث كانت الطعمية ملفوفة في الصفحة الأولى من الجريدة وكان مقال للبابا شنودة ومنه كرر آيات مثل " لا تخف لأني معك " وأيضاً " لا أهملك ولا أتركك ، تشدد وتشجع ، لا ترهب ولا ترتعب ، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب " آيات من الإنجيل تخترق هذا الحصار البوليسي لتشددني و تشجعني و تعضدني في وقت أنا في ذروة الاحتياج لمعونة الإله و كانت هذه الآيات بمثابة تأكيد لي من السماء . في نفس اليوم الذي جاءت فيه ورقة الصحيفة هذه طرق باب بيتنا مخبر من أمن الدولة ومن الرعب قام أحد أفراد أسرتي بخطف الورقة مني بما فيها من آيات التعزية من الإنجيل وحرقها في النار . وفي اليوم التالي وجدت نفس ورقة الصحيفة في الشارع الذي بجوار بيتنا ، كانت والدتي تستيقظ كل يوم في الرابعة باكرا كل صباح تنوح وتئن ضارعة إلى الله حتى أرجع إلى الإسلام . نعم لا يوجد في المسيحيين شئ أغلى من أمي ، أمي عندي أغلى من أي مسلم أو مسيحي لكن هناك من هو أغلى عندي من أمي ومن حياتي بالكامل : وهو سيدي يسوع المسيح . إن كنت لا أحبه أكثر من نفسي فلا أستحق أن يكون لي نصيب معه. جربت والدتي كل حيلة على وجه الأرض لإرجاعي إلى أحضان الإسلام فذهبت إلي الشيخة لكي تعمل لي عمل " أي سحر " ولاسيما إن الجن قد أمنوا بالقران " . لسوء حظ الشيخة إني كنت أصلى إلى الله عز وجل باسم يسوع المسيح ذلك الاسم الذي يرعب الجن بشدة فلم يؤمنوا به لذلك قالت الشيخة لوالدتي هذا الكلام بالحرف الواحد : " أبنك ماشي في طريق عمره ما حا يسيبه ". وقصص عجائب الله معي كثيرة وأتشجع كلما تذكرتها وكلها علامات على الطريق أرى فيها حنان الله الأبوي يحملني من البداية في الطريق التي سلكتها حتى جاء بي إلى هذا المكان لمدة عشر سنين والله لم يتخل عني ولو للحظة واحدة . و للحديث بقية. إبراهيم كان والدنا منذ الصغر يعلمنا كيف نصلي وكنا نراه دائماً ملتزماً بذلك أبي وأمي شخصيتان بسيطتان لكنهما أمينان في عبادتهما وشكل حياتهما . أبى موظف وفر لنا معيشة متوسطة الحال تعلمت أنا تعليماً متوسطاً (دبلوم تمريض ) وحتى ذلك السن لم أعرف الكثير عن أمور ديني غير ما يجب علي من التزام بالصلاة والحجاب ، لم تكن المسيحية ولا المسيحيين يشغلوني . فقد كنت أستحرم أن أفكر في دين يتسم بالكفر وبعد تخرجي وعملي في مستشفى داخلي تعرفت على بعض البنات المسيحيات معي في الغرفة كما كان معظم الأطباء مسيحيين . ولأول مرة أتعامل مع أشخاص من هذا الدين ، بل أعيش معهم فأنا كنت أخذ أجازه كل شهر لم أجد منهم غير كل حب ومعاملة حسنة على عكس توقعي فقد كنت أظن أنهم سيعاملونني بشكل سيئ نظراً لأنهم في المستشفى الأكثرية نحن المسلمين الأقلية في العمل. فانجذبت لهم وبدأت أسأل طبيب عن بعض الأمور الصغيرة التي تلفت نظري كصورة المسيح المصلوب مثلاً . وبدأ يجاوبني عن أسئلتي وطلبت منه أن أعرف أكثر فبدأ يعطيني شرائط وعظ تشرح لي أمورا كثيرة كنت أسمعها دون أن يعرف أحد وعندما بدأت أقتنع ببعض الأشياء بدأ يلفت نظري شخص المسيح في القرآن وحثني على البحث عن الآيات القرآنية التي تتحدث عنه وبالفعل بدأت أقرأ كل هذه الآيات وأتأمل في معناها فوجدتها تنسب للمسيح أمورا لم تنسب لشخص أو لنبي أخر وجدت فيها صفات الله وشعرت وكأنني لأول مرة أقرأ هذه الآيات وكأن عيناي تنفتح على معان أعمق بكثير مما تربيت عليها ، وبدأت قناعتي تزيد وبدأت أطلب من الدكتور الذي يتابع أخباري بأن يشرح لي معنى التثليث والصلب وبالفعل أجابني عن كل الأسئلة وكانت كل الإجابات تقول لي بأن المسيح هو الله حتى القرآن نفسه أوصل لي تلك المعلومة وهذا المعنى. سافر أستاذي الدكتور لمدة عام وأنا أكتشف وأتيقن كل يوم هذا الأمر حتى عايشته مع نفسي بالكامل وبدأت أصلي ليسوع كإله أعترف به ! وفي يوم وأنا في عنبر الفتيات ليلاً وأنا جالسة على السرير أفكر في المسيح وفيما يجب أن أفعله حتى اعتمد وأغير ديني بشكل جذري وأعيش هذا الدين الجديد كل هذه الأفكار كانت تتبعها صعوبة الموقف من حيث رد فعل الأهل لو عرفوا سوف أواجه صعوبات كل حياتي . وتعبت من التفكير فقررت أن أنام وفيما أنا مستلقية على السرير ولم أغمض عيني وكان نور الحجرة مغلقا إذ بي أرى المسيح وكأنه في أرض واسعة يمد يده لي وكأنني في بحر عميق على وشك الغرق وحولي أناس كثيرين لكن لا أحد منهم ينقذني سوى المسيح ! وتكرر المشهد ثلاث مرات وبعد ذلك عدت لوعي وإذ بي في قمة السعادة وأعلن بصوت عال رأيته . ظهر لي . وعندما سألني أصحابي ماذا حدث ضحكت وقلت لهم لا شيء . لكني كنت أشعر أن تلك الليلة هي أسعد ليلة في عمري وشعرت بسعادة وفرح وسلام يغمرني لم أشعر به طيلة حياتي. ومن هنا بدأت أواجه أزمة حقيقية بالفعل فأنا لم أنكر إيماني وهم يتهموني بالجنون ويأتون لي بالعرسان وأنا أرفض لمدة ثلاث سنوات إلى أن تقدم لي شاب وكان أهلي مصرين على آن أتزوجه وذهبنا في ذلك الوقت الى الإسكندرية لنصيف ولما كنا في المياه نلعب وجدت أبي وأخي يحاولان أن يغرقانني ولما بكيت قلت لهما لماذا تفعلا ذلك ؟ فقالا لي لن نميتك ولكننا نريك بأننا نستطيع أن نفعل ذلك إذ لم تتزوجي هذا الشاب وتراجعت عن ذلك الجنون الذي يسيطر عليك ؛ وكذبت عليهم وقلت لهم بأني موافقة على العريس وبالفعل لبسوني الشبكة ورجعت إلى عملي بالمستشفى بالمحافظة الأخرى وأني أثق بأن الأمور سوف تتغير ولكني في هذه الفترة قطعت اتصالي بهم ولا أدري ماذا سيحدث بعد ذلك . لكن ما أعلمه الآن هو أنني أحب المسيح وأعيش لأجله مهما واجهت من متاعب . فاطمة من المسيحية الاسمية إلى الإسلام ثم إلى المسيح كم تؤثر فينا طفولتنا ومعتقدات الآباء وكيف يعيشونها ، كيفية الحب والإخاء ، كيفية وجودي في أسرتي ، أذكر كل هذه الأشياء وكأنني مازلت طفلاً أحياها . ذكريات بعضها مؤلم وبعضها لا يحزن ولا يفرح أيضاً ، كثيراً ما كنت أرى مشاجرات أمي وأبي ، لم تكن لي سوى أخت واحدة . كم نمنا والدموع في أعيننا بلا عشاء لشجارهم الدائم . أبي شخص ميسور الحال ووفر لنا كل سبل المعيشة الجيدة وساعدته أمي في ذلك ، نحن أسرة مسيحية ولكننا لا نعلم ماهية مسيحيتنا أو لماذا ، لم أتذكر مرة أن حاول أبي أو أمي أن يتكلما معي عن الله وعن مسيحيتنا ، لم أتذكر مرة شجعونا الى الذهاب للكنيسة كنت انطوائي ممتلئا بالمشاكل النفسية إلى أن وصلت لسن المراهقة بدأت أقرر أن أعيش حياتي بشكل مختلف بعيدا عن جفاء الأسرة . كانت أختي مثلي مليئة بالتمرد والكراهية ولكن كانت لها علاقات صداقة تستدفئ بها فكانت تخرج وتمرح معهم , قررت أن أعيش مثل أختي لي علاقات لا يهم إن كانت علاقات رديئة أو سوية المهم أن يكون لي أصحاب ولي عالمي الخاص . تعلمت التدخين وشرب الخمور والسهر وإقامة علاقات غير شرعية مع بعض السيدات منذ أن كان عمري ستة عشر عاما حتى عشرون عاما . ولكني لم أجد ذاتي في كل ما أفعل فكل اللذات لا تتعدى سوى دقائق ولم تتحقق الأحلام والسعادة التي أتمناها ؛ أصبحت منقسم شخص يمرح ويسكر ويفعل كل شئ بفرح . وكيان داخلي لا يمس ولا يتذوق هذا الفرح . لم يكن هناك أي علاقة بيني وبين أختي لكن كل منا كان يعلم ما بداخل الأخر فنحن مشتركان في الحزن والحرمان من حنان الأب والأم وفقدان سلامنا في البيت وأيضاً فقدان علاقتنا مع الله .فلم يكن الله يشغل أي جزء من تفكيري فلم أعرفه يوماً ولم يكلمني عنه أحدا فالفكرة التي بداخلي عنه هو أنه خلقنا وتركنا فالله في عرشه في السماء منزه عن أن يتدخل في أمورنا نحن البشر لكن وضع أمامنا الصواب والخطأ ، وهناك يوماً للحساب سيمارس فيه الله سلطانه ووظيفته وهي عقاب الخاطئ وثواب المحسن فالله خالق ومعطي الوصايا وسيحاسبنا عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل. تخرجنا من الجامعة أنا و أختي والحال على ما هو وكان هناك بعض العرسان تقدموا لخطبتها لكنها كانت ترفض كانت ترفض بشدة وأبواي لا يعلمان لماذا هذا الرفض وأنا أسمع ولا أهتم وفي يوم في حوالي الساعة الثالثة صباحاً كنت راجعا الى المنزل مخمورا ووجدت أبي وأمي في حالة سيئة للغاية ولم أركز في البداية لتحديد حالتها لكنها حاولا أن يوقظاني بأسلوب مهين جداً سب وشتائم ولا أعلم سببه فهم يعلما بأن هذه حياتي . وعندما بدأت أفهم لماذا كل هذا الغضب فهمت بأن أختي لم ترجع حتى تلك الساعة المتأخرة بحثنا عنها وبلغنا الشرطة عنها ولم نجدها، تأثرت جداً لاختفائها رغم علاقتنا السطحية لكني كنت أحبها وأعلم بأنها شريكة في آلامي التي لم نتحدث عنها معاً يوماً وبدأت أشعر بأن أبي وأمي في حالة من الانكسار رغم استمرار المشاجرات واتهام كل منهما للأخر بأنه هو السبب في اختفاء أختي ولكني أرى الانكسار في أعينهما ولكنهم لم يصرحوا بذلك وبعد أيام لم تتجاوز شهر اتصلت بنا أختي وكانت المفاجأة !! أختي تزوجت من شخص مسلم ودخلت الإسلام وكان هذا ناقوس الخطر لي من هو الله ما هي الديانة الحقيقية وكل ذلك لم أفكر فيه من قبل وما هو السبب الذي دفع أختي لذلك الأمر وما مغريات الدخول في الأيمان الجديد ؟ أسئلة كثيرة دارت بداخلي وعندما اتصلت أختي مرة أخرى بكت أمي وترجتها بالرجوع كما ترجاها أبى لكنها قالت أنها مقتنعة بما ذهبت له وأنها غيرت أوراقها وأسمها لمسلمة وأنها حامل وتريد أن تربي أولادها على هذا الدين الإسلامي اندهشت لتمسكها هذا وطلبت أن أراها . وبالفعل أعطتني عنوانها وذهبت إليها فرحبت بي واستقبلتني بحرارة لم أرها قبل هذا كما رحب زوجها بي جداً وبدأت أسأل عن تفاصيل ذلك الدين وبدءوا يشرحون لي بعض الأمور الإيجابية فيه كما بدءوا يقنعوني بأن المسيحية ما هي إلا كفر وشرك بالله . وبما أنني لم أعلم شيئا عن ديني الأساسي فلذا كنت سهل الاختراق ، أثروا في بسهولة وتلقيت كل ما تكلموا به معي بسهولة وباقتناع فأنا لم يكن عندي ما أقارنه به وكانت معلوماتهم تدخل على عقلي الفارغ ونفسي المريضة . وأعلنت لهم اقتناعي ولكن طلبت فترة أقرر فيها حتى لا أندم فيما بعد . وبدأت أفكر ووجدت أن أختي تعيش سعيدة جداً وتؤدي فرائض الدين الجديد كلها ولكني بدأت أسأل نفسي هل هي سعيدة حقاً ؟ وهل تشعر من خلال هذه الفرائض التي تؤديها لله حقاً وهل يستجيب لها في هذا الدين ؟ وكل هذا كان يدور في داخلي بصراع عنيف ولكن لم يعلم به أحد وبالفعل فقد اتخذت قراري لعلي أجد نفسي في هذا الدين الجديد ولعلي أجد الله أيضاً وأعرفه وبالفعل رتبت كل أموري وجهزت كل أوراقي . وقبل أن أنام دق جرس الهاتف وقامت والدتي بالرد عليه ثم قالت لي أنه تليفون لك وعندما رفعت سماعة الهاتف سمعت ترانيم وموسيقى جذبتني جداً ، ووجدت سيدة تقول لي هل تسمح لي بمقابلتك الآن ؟ اندهشت جداً وقلت لها هل أنتٍ تعرفيني فأنا لم أعرفك من قبل ؟ ولم أعطيك رقم هاتفي ؟ وعندما سألتها عن سبب الزيارة فقالت لي أنني أريد أن أصلي معك [ أنني أعلنت لبعض الأصدقاء بأنني سوف أعتنق الإسلام وحتى أسرتي ، فأنا لم أعد أخاف سلطتهم أو سلطة الكنيسة ولا حتى سلطة الله ] فأنا كنت أشعر بأني أتبع الله الصحيح في الإسلام فكان يهمني خلاص نفسي بعد الحياة الفارغة التي أعيشها. كثيراً ما حاول بعض الأصدقاء أن يتكلموا معي أو يصلوا معي أو يأخذوني للكنيسة ولكنني كنت أرفض بشدة معلناً بأني حر في اختيار قراري هذا ! ما حدث هذه المرة مع هذه السيدة كان مثيرا حقاً فقد قلت للسيدة أهلاً بك دون تردد وأعطيتها العنوان . وبعد حوالي ربع ساعة دق جرس الباب وبعد أن عرفتني بنفسها طلبت أن تصلي معي وبالفعل وافقت فقد كنت مطيعًا عن غير عادتي ولم أسألها حتى من الذي قال لك عني . صمت غريب و استجابة غير عادية وغير منطقية لكن هذا ما حدث. وبدأت تصلي معي ووجدت نفسي أبكي بشدة متأثرا بكلماتها طالباً من الله الحقيقي أن يقف جانبي إن كان ما أنا مقبل عليه هو الصواب وكان معها زوجها و أبنتها الصغيرة والأغرب أن طفلتها الصغيرة قالت لي بأنها ترى يسوع يسكب عليها ماء واندهشت لذلك وعندما سمعوها قالوا لي أن المسيح يعمدك أتى إليك لأنه يحبك ويريدك . وطلبوا مني أن أقابلهم صباحاً للذهاب معهم للكنيسة لأنني لابد أن اصنع علاقة بشكل مختلف مع المسيح وأنه لابد أن أتعلم كل أمور الدين, وتركوني ومضوا على أن نتقابل في الصباح لكن لم أكن متيقـناً تماماً حتى هذه اللحظة واتصلوا بي صباحاً فأعلنت لهم ترددي فأتوا إلي وأخذوني وفيما نحن داخلون الكنيسة قالت سيدة لي أريد أن أقول لك شيئاً ثم سكتت وترددت وعادت إلي بعد قليل تعلن لي أن يسوع يقول لك [أنا هو الطريق والحق والحياة] وبدأت أبكى متأثرا جداً بكل ما حدث مندهشاً أن الله يؤكد لي بطرق لم أتوقعها أنه بالفعل الطريق والحق والحياة وبدأت حياتي تأخذ شكلاً جديداً وبدأت أواظب على الكنيسة وبدأت أتعرف على الله من جديد ، الله الذي كنت أتخيله بعيداً في سماه لكنه أتى بنفسه ليخلصني لأنه يحبني. وبدأت أبتعد عن كل الأمور الخاطئة في حياتي( الخمر والزنى) قد بدأت أقيم علاقة جديدة مع أبي وأمي حتى قدتهم لعلاقة حية مع الله فكل شئ أختلف الآن كلنا نذهب للكنيسة ونصلي بالمنزل لم يعد الشجار يأخذ مكاناً مثلما كان بل الله المحب لمس كل فرد فينا ونحن الآن نصلي بلجاجة ونرفع صلاة من أجل أختي ، طالبين من الله أ ن يعيدها إلينا . أشرف مقدمة كتبت هذه القصيدة في لحظة اضطهاد من أجل إيماني بالمسيح (عندما يتجرأ مسلم أن يأخذ قرار الإيمان بالمسيح في نفس اللحظة يأخذ قرار حمل الصليب)
صامدون …… صامدون إلى عار الصليب نذهب .. وعلى العار نثور ومن الوحي نكتب .. وعلى الأرصفة ندور ملحدون ملحدون .. بكل آلهة السلطة الغريبة بكل دوائر الموت السوداء .. بكل الخرائط الكئيبة أوقفوا التابوت وقولوا للموت قم .. قم وانتفض قم وانتفض من غبار الغفلة .. إلى جمال المدينة ملحدون ملحدون .. بكل أضرحة الكتيبة بهذا المولد الذي لا إمام له .. بهذا الشعر الغجري فمازال قلبي عذراء ثوري ومازلت أقف بين صفوف الأطفال في المدارس وعلى الأرصفة وفي الأزقة وبين التروس .. وفي الكوارث صامدون .. صامدون مهما صنعوا من أنسجة خلايا الجسم نعشاً .. مهما وضعوا في كل أغنية قنبلة .. مهما أطفئوا فتيلتنا المدخنة .. مهما أغلقوا حانات الفقراء .. وجعلوا من الأحذية أطعمة صامدون … صامدون بقلوبنا سنحارب بقصاصات ورق الإنجيل سنحارب بوعود المسيح لنا سنحارب سنستخدم كل أسلحة الكون .. البيضاء بالتسبيح .. والصلاة سنحارب صامدون … صامدون من غرف الإنعاش .. ومحطات الموت ومن الزنازين الحمراء ستخرج الثورة فيها ملايين العظام من عظمي ملايين الجماجم من جمجمتي تحمل حقائب السفر .. أكفان السفر وقلبي العذري وزجاجة ماء من دمي .. لا.. لن أعطش برغم السفر طويل .. والحزن طويل .. والثورة أطول صامدون … صامدون مهما حاولوا الالتفاف حولنا فكالقش أمامنا مهما زادوا الحصار .. مهما زادوا الحصار فهناك دار خلف مليون جدار .. فالثورة كائنة.. وهذا الوجه الذي يحاصرنا وجه مهزوم لم يتعلم الانتصار إلا على الطلقات الساكنة تجمعوا تجمعوا وكونوا كالبنيان المرصوص واعلموا أنكم شرفاء ولستم بلصوص تجمعوا فقد حان الآن وقت الالتحام واجمعوا كل الأغنيات الصغيرة .. فهذا ديناميت الحرب واملئوا مخازنكم من القهوة .. وأجنحة الطيور وأشعار النسور فقد حان وقت الحرب .. فلا هروب ولا غرب صامدون صامدون على نواصي الأزقة وبين سطور الأوراق .. وعلى مذبح الإحراق فحان وقت الحرب فهم يريدون أن يذبحوا إبرام واسحق فلا تهتزوا يا رفاق .. و لا تهربوا نحن قادرون على امتلاكها لا تنكروه مثل التلاميذ وقت الصلب نحن قادرون يا رفاق.. ونحن فوق الصليب أن نغني أغنية جديدة وكل أغنية منا.. تقدر أن تلد ألف أغنية جديدة ألف شهيد على يد الطاغية نيرون في الجب رجال .. أو في أي أتون نحن بالمسيح قادرون على امتلاكها فليعلو الصوت فنحن صوت صارخ في البرية صامدون .. صامدون يا رفاق ولا تصمت أيها الصامت الثوري .. في أي مكان ولتنكسر زجاجة الصمت في فمك .. فأنت مخلوق لها لا وقت للانحناء الآن فانتفض فانتفض والتزم بالنضوج حجارة فجليات لا يقتله غير داود .. فأنت هو فلتحمل الشعلة ولتحمل البوق ولا تزحف بأرجلك كثيراً .. بل هرول إلى ميدان المعركة واملأ صدرك بالسجود للميتة المباركة صامدون .. صامدون يا رفاق فلا تراجع الآن .. فالعار كل العار للموت الجبان فأنت في الأمس شجاع وأنا أعلم أنك أمس واليوم والي الأبد فلا هروب الآن فالجياع ينادوكم والأسرى .. والزهرة والبستان فلا مفر .. لامفر أن نموت لا مفر من الاستشهاد ولكن لنترك لهم حضوراً في التابوت مسيحاً في كل أغنية .. وفي كل بيت .. وفي كل سكوت صامدون صامدون مهما حاولوا الإغراء .. بالترهيب او بالترغيب كل الاغراء فاشل .. فنحن لا نخون أحلامنا فأجعل العفة تنتصب .. اجعل العفة تنتصب فلا شيء يغرينا سوى أرجل الأطفال وعيون الفقراء وجوع البشر للبشرى .. وجوع الأرض للمطر مزق ثوب الأرض البور .. واقذف عليها بكل ما فيك من قوة فتلد الحصاد .. فانتصب فالحصاد كثير فجل و اصنع خيراً .. وحرر كل من تسلط عليهم شرير تقدم .. تقدم بأنهار الماء الحي .. فهذا عصر التبشير فلا تخف .. فلا تخف فهذا الوقت وقت خطير واملأ قلبك بالحب .. فثورة الحب تجعل الخوف يطير وكل إله غير إلهك إله شرير أفيوناً للشعوب وسذاجة تفكير أما مسيحك فطريق للإصلاح وشمس للتنوير .. فلا تخف كل الآبار التي هي ضدك مشققة .. قبور مبيضة .. مزخرفة .. وريقات كتب عليها الموت صامدون صامدون سنبشر بداخل الزنازين سنبشر وإذا كان حبساً انفرادياً .. سنبشر خلايانا سنبشر ذرات الهواء .. سنعمد القضبان سنخلص الجدران .. سنضيء المقبرة بنورك لن نصمت .. وان صمتنا فالصمت لن يصمت لكنه سيبشر الأرض .. والسماء .. والجبال .. والتلال .. والعصافير والأشجار .. والحب .. والأمطار … و الزنازين ستبشر أحصدونا .. أحصدونا .. فدماؤنا قد تعلمت المخاض وستلد رجالاً يقفوا في الثغر .. أحصدوهم أيضا فنحن نريد أن نكثر وهذه طريقة الإكثار أحصدونا .. أحصدونا فلا خوف بعد الآن ولا انكسار وحاصرونا بكل قوتكم .. سنخرج من بين أيديكم ..ومن خلفكم فإلهنا إله جبار من يقوى علينا .. فإلهنا ملك الملوك ورب الأرباب .. فهو الوحيد البار صامدون .. صامدون .. سنبشر مقدمة الاختبار: قد لا أملك ما يلائم بداية شهادتي هذه إلا أن أشكر الله من أعماق قلبي من أجل هذا التحول العجيب والإيجابي في حياتي، وكذلك حياة كل من يطلبه بإخلاص ، إذ قد قادني بإرادته وقوته الساحرة منتشلاً إياي من أفواه الأسود وحظيرة الهالكين ، والغريب في ذلك أن هذا التحول لم يكن بدافع مني أو انعكاس لشيءٍ سمعته، أو كلمة ألقاها أحد من الخدام أو المبشرين إلي ؛ بل على النقيض من ذلك كله ؛ إذ في الوقت الذي كنت أسعى جاهداً لإحباط خطته لخلاص العالم ، والهجوم الشرس على كلمته ، وكذلك من يؤمن بها، كان هو قد أعد العدة كاملة وبإحكام لاصطيادي بشباك لا يمكنني الهروب منها ؛ وهذا هو شأن الإله الحي الذي يبحث عن الضال إن كان صادقاً في توجهه حتى ولو كان معاكساً له ، فهو يبسط يديه لكل تائب ، وينشر نوره لكل تائه في ظلمات العالم ويقرع بهدوء على كل بيت فقير وخرب ليملأه بالغنى الروحي ويعمره بالطهارة والقداسة فهو يعطي بسخاء ولا يعير ، ولا يعطينا كأفعالنا؛ لكن حسب وعوده وبمقدار رحمته وبميزان عظمته. ولا أخفي سراً إنني قد ترددت كثيراً في كل مرة كنت أحاول فيها كتابة هذه الكلمات ؛ ذلك لأني قد خشيت أن أكون مبالغاً في ما أقول ، أو أن ينظر إليّ كشخص فوق العادة يبحث عن مجد له لا يستحقه في حين المجد كله لله ، وجانب آخر كان يحول بيني وبين كتابة هذه السطور ألا وهو الكبرياء والغرور الذي كان ما يزال هناك منه بقية باقية لم أكن قد تخلصت منها ؛ إذ اعتبرت الإفصاح عن عمل الله في حياتي إهانة قد توُجه إلى شخصي الذي كان شديد القسوة على أتباع ذاك الإله الحي الذي تعامل معي وفتح لي عيني لأرى النور الذي لم أكن أعرفه من قبل ، وكما سنقرأ في الصفحات التالية ؛ لم أجد بد من أن أعلن استسلامي في تلك المعركة غير المتكافئة بين شيطان يسكن بداخلي وإله قدوس يعرض عليّ خلاصه ويفتح لي ذراعيه لأتكئ على صدره الدافئ والحنون ؛ حتى استطعت أن أردد مع أيوب " بسمع الأذن سمعت عنك أما الآن فقد رأتك عيني " واطلب كما طلب داود " قلباً نقياً اخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي " ذاك هو الرب يسوع المسيح كلمة الله الأزلية وروحه الذي لا ينفصل عنه ، إنه هو الطريق والحق والحياة ، هو من يؤمن به فلا يموت وإن مات فسيحيا ، هو الذي لن يعطش من يقبله ولا يجوع من يأتي إليه هو الأول والآخر هو الرب يسوع المسيــــح . حيـــاتـي قبــل الإيمــان : كان لا بد لي أن أتكلم ولو بإيجاز عن حياتي قبل الإيمان ؛ لأنه من خلالها ستتضح مدى محبة الله لنا نحن البشر، وتظهر أنه في الوقت الذي نسعى نحن جاهدين لمقاومة عمل الله ؛ يسعى هو في الاتجاه المضاد ليجتذبنا إليه كراعٍ يبحث عن قطيع له قد ضاع في البرية الفقراء الجرداء . فقد نشأت في أسرة متدينة أصولية إلى أبعد الحدود ، مما دفعني إلى أن أسلك نفس المسلك الديني الأصولي ، إما بإرادتي أو بحكم النشأة الأسرية ، وبدأت مشواري مع الكُتاب الصغير الذي كان يقع على أطراف قريتنا الصغيرة الواقعة في إحدى محافظات الوجه القبلي على مسافة 200 كم جنوب القاهرة ، كان اهتمامي في البداية مجرد حفظ ما كان مقرراً علينا من السور القرآنية في مادة التربية الدينية بالمدرسة ثم تدرج ذلك إلى اهتمام شخصي نابع من حبي لكلمات الله ، وفي تلك الأيام كان المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ينظم مسابقة سنوية بصفة دورية بين طلاب جميع مدارس الجمهورية في حفظ جزء أو جزأين من القرآن ، طلبت مني والدتي أن أشارك فيها ، وأول مرة شاركت فيها حصلت على المركز الأول وكانت الجائزة 10 جنيهات فرح بها والدي كثيراً وكان يشجعني على المشاركة باستمرار ليس إلا للفوز بالعشرة جنيهات ،، استمر ذلك حتى استطعت حفظ أكثر من خمسة عشر جزءاً من القرآن قبل أن أنهي المرحلة الإعدادية ، وأكملت ما تبقى منه في المرحلة الثانوية ، كنت في هذه الفترة أقيم مع الأسرة في منزل العائلة الذي كان يضم بقية أعمامي وأولادهم ، وكان واحد من أبناء أعمامي شديد التدين، إذ كان يدرس في إحدى كليات جامعة الأزهر ، وكان يشجعني على قراءة الكتب وفي بعض الأحيان كان يشتريها هو لي على نفقته الخاصة ، لكن في أثناء هذا الوقت انتقلت أسرتنا للإقامة في بيت منفرد عن بيت العائلة هذا ، وسافر ابن عمي إلى إحدى البلاد العربية ليعمل إمام وخطيب لمسجد هناك ، واستمرت إقامته هناك مدة عامين ، وبعد عودته في إحدى المرات أفهمني أننا لسنا على الإسلام الصحيح الذي يدخل من يدين به الجنة ؛ لأننا لا نعرف إلا القليل ، وأنه قد تقابل هناك بقيادات مسلمة واخوة فارين من ظلم الحكم الطاغي هنا ، وطلب مني التعمق في دراسة بعض الكتب للإمام ابن تميمة والشيخ سيد قطب وابن حزم الظاهري ، ورغم صعوبة أفكار بعض هذه الكتب إلا أنني أعجبت بها كثيراً ؛ إذ كانت هذه الكتب تضع منهجاً شاقاً يصعب على المرء منا أن يؤديه كما هو فمثلاً وجدت هناك حديث يقول : من أكل مع مشرك أو ساكنه فهو مثله من هنا بدأت أدخل إلى مرحلة جديدة في حياتي الدينية ، إذ بدأت أتفحص الناس من منهم الكافر ومن منهم المسلم ، وبدأت أيضاً أجمع النصوص التي تسهل علي تمييز المسلم من غير المسلم حتى أرسم وأحدد علاقتي به حسب نوعية كل منهم، حتى وجدت نفسي أمام موقف صعب جداً إذ أن والدي ووالدتي بناءاً على ما وصلت إليه يعدا من الكافرين ، فوالدي كان يدخن ، ولا يطلق لحيته ، ووالدتي لم تكن تصلي وكانت تسب الناس كثيراً ، كذلك اخوتي كانوا كفاراً أيضاً فمنهم من يجلس يشاهد التليفزيون ومنهم من لا يصلي ، ومنهم من يحلق لحيته ومنهم من يدخن السيجارة ، لدرجة أنني قد منعت أخواتي عن تكملة الدراسة في مراحل مختلفة ، وطلبت من والدي أن يطلق والدتي لأنها لم تكن تتجاوب معي مما أثار والدي علي ، وصلت في نهاية الأمر إلى أن والدي ووالدتي وإخواني مشركون ، وسألت هل يجب علي مقاطعتهم وعدم الأكل أو النوم معهم ؟ فأجابني ابن عمي نعم ، فقلت إذن وأين سأذهب ؟ قال : تعال عندي . هل تثق في عمك وامرأته من حيث الإيمان ؟ قلت : كلا فهما مؤمنين حقاً ، قال إذن فاذهب وأتي بأمتعتك لتعيش معي بعيداً عن حياة الكفر والشرك التي في بيتك ، حملت أمتعتي ورحلت وسط دموع والدتي وأخوتي ولم أشفق عليهم بل كنت أقول إنه لا مقام لي بينكم اليوم إذ أنكم كافرون وكنت في غاية السعادة وأنا أراني أهجر بيتي في سبيل الله. استقر ابن عمي في القاهرة واستأجر شقة بالقرب من جامعة الأزهر حيث كان في السنة النهائية مما اضطرني للعودة ثانية لبيت أبي أجر أذيال الخزي والانكسار ، وسألت ابن عمي ألا يعد رجوعي هذا معصية ؟ قال : لا " فالضرورات تبيح الممنوعات " وقرأ عليّ آية سورة البقرة " فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه " ففرحت كثيراً بذلك ، كنت آنذاك في الثانوية العامة وقررت الاجتهاد حتى لا يقال بأن التدين يعيق الدراسة ، ونجحت وحصلت على نسبة مئوية عالية أهلتني لدخول كلية الطب بجامعة القاهرة ، وبعد ذلك بدأت انفصل فكرياً بالتدريج عن ابن عمي إذ قرأت كثيراً من الكتب كان هو يرفضها قائلاً : إنها تحمل أفكار التكفير والهجرة أو خوارج القرن العشرين ، كان كلامه هذا لي دافعاً قوياً لأعرف ماذا يقول هؤلاء الناس الذي نسمع عنهم ولم نقابل أحد منهم ؟ وجدت داخل الكلية كثيرا من التيارات السياسية داخل جماعات صغيرة وقانونية مما دفعني أن التحق بالجماعة الدينية بكليتي لكي لا نترك الساحة لهم ، كان مقرر الجماعة أحد أعضاء هيئة التدريس وكنت أميناً عاماً لها ، وكان معنا رجلاً آخر مسئولاً عن الاتصالات بالجماعة لا أخفي أنني وجدت متاعب كثيرة داخل الجماعة لأنهم كانوا يعيشون حياة إسلامية تقليدية بعيدة كل البعد عن المفهوم الصحيح للإسلام من حيث تعاملهم مع غير المسلمين ( لا أعني المسيحيين بل المسلمون بالاسم فقط ) بدأت طموحاتي الدينية تنمو باطراد وكنت أسابق الزمن للوصول إلى حالة لا تقل عن حالة من كنت أسمع عن صولاتهم ضد الحكومة والنظام ، فبدأت بتكوين نواة لجماعة صغيرة أقوم بتلقينها الإسلام كما فهمته ، وكنت ألمس فيهم الطاعة والخضوع ، كنا نصلي معاً في زاوية بعيداً عن المساجد لأنها كما علمنا ما هي إلا مساجد ضرار بنيت على غرار ما بناه اليهود لإعاقة دعوة الرسول . شعرت بعد ذلك بضرورة ترتيب علاقتي بكل الناس كلُ حسب موقفه وفهمه للإسلام ؛ فكل من لا يقبل ما نقول فهو كافر ويعامل معاملة الكفار " لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون الله " ، لم جد في ذلك صعوبة لأننا كنا مدفوعين برغبة وحماس شديدين لأن نعيش كما كان رسول الله يعيش وكانت تتراءَى لنا صورة أبوعبيدة بن الجراح الذي قال عنه محمد أنه أمين هذه الأمة عندما قتل والده الذي رفض الإسلام ، كذلك صورة مصعب ابن عمير الذي لم يرضخ لتوسلات والدته وتركها تموت لرفضها الإسلام ، وكذلك أ |