الأب متى المسكين- أب لي

  

لست ممن يتشيعون لفئة مسيحية ضد فئة أخرى لأني أرى في هذا تقييد لحريتي و لم أقصد أن أتعرف بالأب متى المسكين كمعلم لي من باب الخروج عما يألفه عوام الناس. ذهبت ذات مرة لزيارة المرحوم حلمي صديقي و بعد أن أكلنا وجبة شهية و أودعني سلامة الله ترك معي مجموعة من الكتب الصغيرة و شريط كان هو بداية تعرفي بهذا الصوت المميز و الذي لم أعرفه من قبل. أخذت الشريط و سمعت إليه و كثيرا ما ترد إليّ الشرائط من هنا و هناك ممن يرغبون في دعمي في إيماني المسيحي و قد كانت نقلتي هذه نقلة كبيرة من خارج المسيحية إلى المسيحية برحابها المتسعة و مسيحها الرأس. عندما تسمع عظة للأب متى المسكين ( و هو لا يحب أن يرى نفسه واعظ بل إنسان له عِشرة بالمسيح و يأخذك خطوة خطوة إلى أن يصل بك للمسيح وجها لوجه) تجد أن تعليمه مختلف. إنه لا يقدم لك نصائح و إرشادات لأنه ما أكثر الواجبات و الفرائض التي يلقنها المعلمون لمريديهم بل هو يأخذك و يقف بك بهدوء أمام وجه المسيح و حبه المتدفق و كأنه يميط حجابا من نوعا ما جانبا فتنكشف لك هذه الأمور المحجوبة فترى ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر. ترى ما قاله ربنا لـ مرثا: إنْ آمنت ترين مجد الله ( يوحنا  11:40). عندما تسمع الأب متى المسكين تشعر أنك ( و قد انتقلت أنا نقلة جذرية من دين الآباء و الأجداد الذي فُطرت أنا عليه ) بأنك يغمرك حب شديد يأخذ بمجامع قلبك تجاه هذا المسيح الذي يحدثك عنه الأب متى و تقول: أريد هذا المسيح. أريده الآن. و تذهب خارجا كطفل يجري هنا و هناك أو كهذا الإبن الضال الذي يهرول للقاء أبيه فتخرّ أمام المسيح ساجدا: ربي و إلهي. كل هذا و الآب متى المسكين يقف جانبا في براءة الطفل و يشاهد حب الله يتدفق و كأنه المحيط يندفق دفقا في قلب المؤمن "لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا".

 

كنت أتهيب الأرثوذكسية و أخشى أنها ردة من دين تركته إلى دين جديد أستبدلها بها و لكن بقراءة الأب متى المسكين و سماعه عرفت أن الأرثوذكسية ليست دين و لكن هي دعوة لمعرفة الإله المتجسد حتى ما نصير نحن أبناء و بنات الله و هذا هو إمتياز "الـتأله" في شراكة للطبيعة الإلهية ( 2 بطرس 1: 3 و4 ).  أمام الأب متى المسكين الكاهن الأرثوذكسي لن نخشى أن يتهمنا أحد بتهمة الجمود لأن الطقس هنا يصبح مكشوف بكل رموزه العميقة المكتنزة بالمعاني و نعرف أن إيماننا ليس مسائل حسابية و لكنه مليء بالإشارات و الدلائل ذات المعاني العميقة و في كل ممارسة طقسية نجد سر المسيح مخبئا و علينا أن نسعى مبتهجين لكشفه أو هو بالأحرى يكشف لنا عن نفسه بنفسه في السرّ و المسيحية هنا هي مسيحية سرائرية حيث الجملة الواحدة في بساطتها التي يفهمها أي طفل هي أيضا مركبة و ذات أكثر من بعد واحد. عندها نعرف أن إيماننا المسيحي ليس مجرد "عقائد" و "أركان إيمان" بل هو إيمان سرائري كله أسرار يهمس فيها صوت المسيح بقوله: "الذي يحبني يحبه أبي و أنا أحبه و أظهر له ذاتي" ( يوحنا 14: 21 ). هنا المعرفة قائمة على وجود الحب أولا و بدون الحب لن نعرف أسرار الإيمان و لتقل كتب العقائد ما شاءت فالإيمان المسيحي هنا ليس أركان و فرائض إيمان بل هو "سر الرب" و الذي هو لخائفيه.

 

 أيضا بهرني الأب متى المسكين في حبه الصادق والواثق للمسلمين و شتان بين الحب عن ثقة و صدق نفس و الحب عن مبدأ "مجبر أخاك لا بطل". لا تملك أمامه أن ترى الناس بتقسيمات عقائدية هذا إلى الجنة و ذاك إلى النار بل ترى الخليقة كلها مشمولة في حب الله الأبدي الأزلي و جميعهم "ذريته". هنا يستعلن خلاص المسيح للجميع بأني يعلن النور عن ذاته و النور هنا يقوم بعمله دون حاجة إلى أبواق و صراخ الوعاظ و حسب المؤمن عندئذ أن يثبت في اتحاده بالمسيح و المسيح يجذب الناس إليه.

 

 تعلمت منه أن المسيحي الحقيقي يطبق حرفيا وصايا المسيح فهي ليست لزمن غابر تحتمل المجاز بل هي وصايا حرفية، و عندما يطلب منا أن نصفح حتى وإن لم نشعر بالصفح فهذا إلزام لنا وعلينا و إلا بقينا في الظلمة الخارجية حيث البكاء و صرير الأسنان. عندها نفهم جيدا معنى انتصار الصليب و أن نغلب ذواتنا كما يؤكد في تعليمه و إلا فكلامنا عن قيامة المسيح و غلبته يصبح مجرد شعارات فارغة.

 

عند الأب متى المسكين النسك ليس جهاد فردي بل هو جهاد النعمة كما علم القديس مار إسحق السرياني فكما أن الخلاص بالنعمة فالجهاد يكون أيضا بالنعمة و عندها علينا أن نذكر ما قاله لي ذاك القبطي العجوز: "يا بني إجمد فيه  و هو ها يجمد فيك". لا نتكل في جهادنا على مفهوميتنا أو محاولاتنا الفردية بل الرب نفسه يعمل فينا، و الرب نفسه يصلي فينا بروحه، و الرب نفسه يجدد إنساننا الباطن العتيق. مع الأب متى المسكين أحببت الإنجيل وأردت أن آكله أكلا و أقرأه مرارا و تكرارا فأجد أني أمام "غمر ينادي غمر" و كلام أبعاده عميقة بلا حدود و فيها صوت ربنا لبطرس: يا بطرس ابعد إلى العمق. مع الأب متى المسكين لن نقرأ الآية و نقف عند المعنى الظاهر لنا بل سنجد المسيح أيقونة الآب يكشف لنا وجه الله الجميل فيها و نريد من خلال الآية أن ندخل لقلب المسيح و نقيم هناك. كم أنا شاكر أن تكرم صديقي روماني و أكرمني في عطائه بمجموعة سي ديهات "أقراص مدمجة" لجميع عظات الأب متى المسكين. و يا للعار أن هذا الكنز عندي و لا أغترف منه من يوم إلى يوم أو من أسبوع لأسبوع و لا عجب فيما يتبع ذلك من قحط روحي و جفاف و سلوك جسداني. نحن بحاجة إلى معلمين و مرشدين مثل الأب متى حتى ما يأخذوا بيدنا إلى المسيح مباشرة و نتعلم أن ننتصر على غضبنا و أن لا نثأر لذواتنا بل ليكن شعارنا دوما كما قال الأب متى في تفسيره لرسالة أفسس مقتبسا آية إشعياء النبي: "حقي عند الرب" ( إشعيا 49: 4 ) و حسبنا إله كهذا و هو نفسه كفاية جميع حقوقنا و ما نريد. هذا الرجل على مثال المسيح يرفض أن ينشق بل يخضع خضوع المسيح الكامل لمن اضطهدوه و حرقوا كتبه و ازدروا بها متحدثا بكل احترام و حب و وقار لمن يرأسوه و آبائه في الرهبنة فعرفنا أن المسيح حقا هو خضوع التواضع لا غطرسة الاعتداد بالذات و رد الصاع بمثله مما يؤدي للشقاق و الانقسام و المسيح يضم كنيسته إلى وحدته السرائرية مع أبيه.

 

تيموثاوس إبراهيم

timothyabraham@hotmail.com

 setstats1