تناقضات وهمية في العهد القديم

(3)
الله لا يراه أحد... لأني قد رأيت الرب


المعترض:

تذكر أسفار العهد القديم أن الله لا يرى " حقا أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل " (إشعيا 45/15)، والإنسان لا يقدر على رؤيته، فقد قال الله لموسى: " لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش " ( الخروج 33/19 - 20).
لكن الأسفار التوراتية تذكر كثيرين رأوا الله، منهم شيوخ بني إسرائيل " لما صعد موسى وهارون وناراب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل رأوا إله إسرائيل" ( الخروج 24/9)، ومنهم يعقوب فقد رآه حين صارعه " فدعا يعقوب اسم المكان:" فينئيل ". قائلاً : لأني نظرت الله وجهاً لوجه، ونجيت نفسي " ( التكوين 32/30 ).
فهل الله يري أم لا يري؟

***************************

الرد

 

بقلم: عماد حنا

 


الله لم يره أحد قط: حقيقة كتابية لا تقبل الجدال يؤكدها العقل والمنطق و أيضا ما تجمعت لدينا من حقائق تخص الله الذي هو اله غير محدود وبالتالي الانسان محدود لا يمكن أن يراه فإذا رآه فهناك أمر واحد من أمرين أن يكون قد تخلص من محدوديته تلك التي عبارة عن جسد من لحم وعظام، وبهذه الطريقة لا نعتبره حيا، أو أن يأخذ الله صورة وشكل الجسد دون وهذا جائز ولا يتنافي مع صفات الله التي من ضمنها أنه قادر على كل شئ
هذه المقدمة البسيطة التي لا أعتبرها خروج عن الموضوع، ولكن علينا الآن أن نفند الآيات المذكورة ونرى أن كانت تتناقض مع بعضها أم لا.

الله لا يراه أحد:
الآية الاولى: حقا أنت إله محتجب، يا إله إسرائيل " (إشعيا 45: 15) هذه الآية وعلى الرغم من اقتناعي الشديد أن الله لا يراه أحد قط وأن الكتاب المقدس قد وجه انظارنا إلى هذا الامر، الا أن هذه الآية لا تتحدث عن هذا الموضوع. فالاحتجاب هنا ليس معناه عدم قدرتنا على رؤيته, وربما الكلمة توضحها آية مثيلة في مزمور 44: 24 " لماذا تحجب وجهك وتنسى مذلتنا وضيقتنا" فالاحتجاب هنا هو عدم السماع والترك... وفي الشاهد الذي في أشعيا يقصد انك أنت يا اله اسرائيل لا تستمع الى هؤلاء " الصانعوا التماثيل " ... اقرأ الفقرة كلها الموجودة في أشعياء 45: 15-19 وهي تقول " حقا أنت اله محتجب يا اله اسرائيل المخلص. قد خزوا وخجلوا كلهم. مضوا بالخجل جميعا الصانعون التماثيل. أما اسرائيل فيخلص بالرب خلاصا أبديا. لا تخزون ولا تخجلون الى دهور الأبد. لأنه هكذا قال الرب خالق السموات هو الله. هو مصور الأرض وصانعها. هو قررها. لم يخلقها باطلا. للسكن صورها. أنا الرب وليس آخر. لم أتكلم بالخفاء في مكان من أرض مظلم. لم أقل لنسل يعقوب باطلا أطلبوني أنا الرب متكلم بالصدق مخبرا بالاستقامة.
الآية الثانية: : " لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش " ( الخروج 33/19 - 20).
وهي آية واضحة جدا أنه لا يمكن أن يرى الانسان الله ويعيش. لذلك لندخل في الآيات الأخرى ونرى هل تناقض هذه الآية أم لا.
***
الخروج 24: 9-11
9 ثم صعد موسى وهرون وناداب وابيهو وسبعون من شيوخ اسرائيل.
ورأوا اله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة. ولكنه لم يمد يده الى أشراف بني اسرائيل. فرأوا الله وأكلوا وشربوا.
وفي هذا النص هناك بعض الملاحظات يجب التفكير فيهم
1-
وجود ارجل ويدين لذلك الذي رأوه
2-
وجود مواصفات مثل تعبير النقاوة فما المقصود به؟
3-
لم يمده الى أشراف اسرائيل

وهنا من الملاحظة الاولى نجد أن الله أظهر نفسه في هيئة وشكل... فهم لم يروا الله في مجده وعظمته، ولكنه أظهر نفسه في شكل يبين مواصفاته... هذا الظهور هو من إراده الله نفسه وأيضا هو ليس الله في جوهره ولكنه مجرد نوع من أنواع التجسد... وهو على كل شئ قدير.

الملاحظة الثانية هي محاولة تعريف شعب اسرائيل بصفة من صفات الله هي صفة النقاوة... وهنا يريد أن يوصل الى اسرائيل فكرة كراهية الخطية تماما...

الملاحظة الثالثة: أنه فعل هذا الامر بإرادته تماما لذلك لم يعاقب اسرائيل أنهم رأوه... فالقاعدة موجودة ولكنه أراد لهم الحياة.
والملاحظة الأخيرة استنتاجية، ويمكن التغاضي عنها فالملاحظة الاولى هي الاساس أنه وضع نفسه في حيز وظهر على شكل بشري لكي يتمكن شعبه من رؤيته.
الدليل على ذلك
امتداد الآيات يقول بعد هذه الآيات مباشرة أنه أصعد مسى الى الجبل لكي يستلم لوحي الشريعة ... ويصف الكتاب الوضع أن مجد الله حل على جبل سيناء ... ويصف الكتاب منظر الله "كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني اسرائيل" ... لقد تغير شكل الله إذا... من شكل السماء الكاملة النقاوة الى شكل النار ... وايضا الى شكل السحاب... وبالتالي هم لم يروا الله بل مجرد ظهورات تعريفية بالله... كل هذه الاشكال تدل على أنهم لم يروا شكل الله الحقيقي... لأنه ببساطة مستحيل أن يروا الغير محدود... وهم محدودون.

التكوين 32: 30
وهذا النص أسهل من سابقه. وفي نفس الوقت يعطينا تساؤلات ليست لها أجابه. فهذا الشخص لم يقل عن نفسه أبدا أنه الله. فربما نستنتج أنه مبعوث الهي ... (أنا أميل الى هذا) ... وربما يكون أحد ظهورات الله في شكل بشري وهذا قادر الله على فعله (أنا أميل الى نظرية تقول أن كل ظهورات العهد القديم هي لمبعوثين من قبل الله بمعنى ملائكة، وهم يتكلمون برسائل الهية كما لو كانوا الله ذاته) تماما كما لو أرسل الرئيس حسني مبارك خطابا للملك عبد الله علي يد شخص ما، فيعتبر الشخص نفسه هو الرئيس... ويقول أن رأي مصر هو ... والمتحدث اسمه مختلف عن اسم مصر وأيضا عن اسم حسني مبارك... ولكن بالسلطان الممنوح من قبل رئيس دولة مصر صار ممثلا عنهما.
أتمنى أن اكون قد أجدت التعبير في هذه النقطة
الاستنتاج: بالنسبة للآية تكوين 32: 30 لم يذكر المبعوث أنه الله ولكن يعقوب استنتج انه مبعوث من قبل الله فاعتبره كما لو كان الله ذاته الآتي اليه
لنقرأ تكوين 32:29 " وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي؟ وباركه هناك.

الاستنتاج النهائي
الله في عدم محدوديته لم يستطيع الانسان أن يراه مطلقا وكل التعبيرات المذكوره في العهد القديم أن هناك أناس قد رأوا الله فهم رأوا مبعوثين من قبل الله يتحدثون بسلطان الله نفسه. أو رأوا شكلا تعبيريا من ظهورات الله لكي يقدر أن يتواصل مع الانسان, فهم لم يروا الله في مده وبهائه بل رأوا شكلا يتكلم بسطان الله. وهذا بسماح من الله لكي يتواصل مع الانسان وهو على كل شئ قدير.
اذا فلا يوجد تناقض في الكتاب المقدس لأنه في الفقرة الواحدة أعطانا أكثر من ثلاث أشكال مختلفة لله تثبت بوضوح أن هذه الأشكال رمزية