علمت أنك تستطيع كل شئ ... عاجز عن فعل أي شئ
منذ سنوات عديدة ويواجه
الكتاب المقدس العديد من الهجمات، يحاول الكثير من المفكرين على اختلاف اتجاهاتهم
الفكرية النيل منه، فتارة يتهمونه بأنه ليس كلام الله، وتارة يتهمونه بأنه كتاب
الأساطير. آخرون قالوا أن يتناقض بعضه مع بعض مما يؤكد عدم انتماؤه إلى الله…
وآخرون بقولون أنه حرف.
وفي الواقع الكثير من الكتب
ظهرت ترد على كل هذه الأمور، ولكن الاتهامات لا تزال تتوالى. وفي هذه السلسلة من
المقالات اخترت بعض هذه الاعتراضات وقدمت ردا عليها لعلي أكون قد ساهمت بجهدي
المتواضع في الرد على بضعة قطرات من السيل الجارف الذي يحاول فاشلا أن ينال من الكتاب المقدس . والسطور
القادمة واحدة من هذه الاعتراضات والرد عليها
***
علمت أنك تستطيع كل شئ ... عاجز عن فعل أي شئ
المعترض
كتب الأستاذ المفضال عماد: "بالنسبة
لموضوع أن الله كلي القدرة فهذا وارد بوضوح في الكتاب المقدس ... إذ يقول الكتاب في
سفر أيوب الإصحاح 42 والعدد الثاني " قد علمت أنك تستطيع كل شئ ولا يعسر عليك أمر "
...
لكن المطلع على التوراة يراها تنسب للرب جل وعلا الجهل والقصور والضعف، ومن ذلك أنه
لما أراد معاقبة المصريين " كلم الرب موسى وهارون.... فإني أجتاز في أرض مصر هذه
الليلة، وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة
المصريين. أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم،
وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر " ( الخروج 12/1 - 13 ).
فجعل الدم علامة على البيوت الإسرائيلية حتى لا يهلكها مع بقية البيوت فهل يحتاج
الرب العليم لمثل هذه العلامة حتى يفرق بين بيوت المصريين وبيوت الإسرائيليين؟
وتتحدث التوراة عن الله وكأن آدم قد قهره حين أكل من شجرة المعرفة والتفرقة بين
الخير والشر، وكأنه خلقنا ولم يرد منا أن نميز الخير من الشر، ثم خاف أن يأكل آدم
من شجرة الحياة، فيصبح كالرب من الخالدين، فأقام حرساً من الملائكة في طريق هذه
الشجرة " أوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة
معرفة الخير والشر فلا تأكل منها.... وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد
منا، عارفاً الخير والشر. والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل
ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد
الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن الكر وبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة"
(التكوين 2/17- 3/23)، ومثل هذا التصور عن الله غير مقبول، فالسفر يصوره حريصاً على
جهل الإنسان، خائفاً من تعلمه ثم من خلوده، إذا فاجأه وأكل من شجرة الحياة.
ومثله في العجز والنقص ما تذكره التوراة من أن الرب بعد ما أغرق الأرض بالطوفان زمن
نوح قال لنوح ومن معه: "أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه
الطوفان،... وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض.... فمتى كانت
القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً..." ( التكوين 9/11 - 17 ) فجعل قوس
قزح علامة تذكره بالميثاق الذي ضربه لنوح ومن معه.
وكما يفيد البشر من مشورة بعضهم لقصورهم عن إدراك عواقب الأمور، أيضاً تذكر التوراة
أن الرب شاور الملكين اللذين رافقاه في ذهابه إلى إبراهيم ثم لوط " فقال الرب : هل
أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله ؟" أي في قوم لوط.
ثم ما كان منه إلا أن قال " أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهم الآتي إلي، وإلا
فأعلم (أي ما أصنع بهم) " ( التكوين 18/17 – 21 ).
ومن العجز أيضاً قوله: "وكان الرب مع يهوذا، فملك الجبل، ولم يطرد سكان الوادي، لأن
لهم مركبات من حديد " ( القضاة 1/19 ) فكان ذلك سبباً لعجزه عنهم، فكيف يكون ذلك مع
قولنا أنه كلي القدرة؟
من ذلك كله أرى أن هذه النصوص لا تجعل الله كلي القدرة بل تجعله محدودا عاجزا عن
الفعل أو اتخاذ القرار أو التمييز ....وهو يتناقض مع ما ذكره الأستاذ من انه ثمة
نصوص كثيرة تصف الله أنه كلي القدرة، وهو بحق جل وعلا كذلك.
أستاذي الفاضل
الأمر يحتاج إلى
أسلوبين في الرد حتى نستطيع أن نفهم الذي تقوله التوراة ببساطة.
الأسلوب
الأول
أن نفهم لغة التوراة…
أو لنقل أسلوب التعبير الذي تسلكه التوراة (أقصد العهد القديم) وبذلك نقيس تلك اللغة على المفاهيم التي لدينا ونر هل
تتطابق أم لا …
الأسلوب
الثاني
أن ندرس النصوص التي أوردتها كالنص على حدة لنفهمه
ونفنده الواحد تلو الآخر , وفي الواقع على أن الجأ إلى الأسلوبين معا ليفهم القارئ
ولكني سأبدأ بالأسلوب الثاني الذي سيقودنا بالتأكيد إلى الأسلوب الأول أثناء السرد،
وبعدها سألخص لغة التوراة وأسلوبها كما فهمته وفهمه الكثير من الشراح …
والله المستعان
***
النص الأول
تقول: ومن ذلك أنه لما أراد معاقبة
المصريين " كلم الرب موسى وهارون.... فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة، وأضرب كل
بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاماً بكل آلهة المصريين. أنا الرب،
ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها، فأرى الدم، وأعبر عنكم، فلا يكون
عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر " ( الخروج 12).
الرد
قرأت
النص عدة مرات لأحاول أن
أفهم منه عجز الله عن المعرفة فلم أجد. ولكن لي بعض الملاحظات
-
أولا
…
من سيذهب إلى فعل هذا الأمر…
ليس الله ولكنه مرسل من قبل الله… وقد أسماه الكتاب المقدس
الملاك المهلك، راجع خروج 12:
23 … وهذا المهلك ليس كلي القدرة، مهما علت قدرته فهو
مجرد مخلوق شأنه شأن البشر. وبالتالي يحتاج إلى علامة حتى لا يخطئ، والخطأ وارد
بالنسبة لملاك لأنه ببساطة ليس الله.
-
الأمر الثاني: في هذا النص ما هو
الهدف المقصود من وراء هذا الأمر, عقاب شعب وحماية شعب, وهنا نجد بروز رمز مهم جدا
كثيرا ما يظهر في العهد القديم وفسره لنا العهد الجديد، وهو وجود علامة للحماية،
هذه العلامة هي أولا دليل ثقة وإيمان، وثانيا هي دليل التبعية والخضوع , فمن وضع هذه العلامة على بيته يقول أنا أثق
في صدق كلام الله وأحتمي برمز حمايته. انه اختبار للشعب لكي لا يكتفون بهويتهم التي
أصبحت في هذا الوضع غير صالحة، ولكن رمز الحماية هو الوحيد المنجي
-
الأمر الثالث: هو إبراز دور الدم في الكفارة، فحكم الموت جاء على كل بكر ماعدا من
يحتمي بتلك العلامة الإلهية، بمعني أنه حتى لو مصري فعل هذا سينال نفس الجزاء لأن
ملاك الرب لن يميز الشخصيات هو سيرى الدم ويعبر، لن ير هوية أصحاب البيت. وأعتقد أن
كثير من المصريين الذين كانوا بالنسبة للعبرانيين محبوبين في هذا الوقت عملوا نفس
الشيء باستخدام مشورة العبرانيين لهم. الأمر هو امتحان إيمان وطاعة للعبرانيين وليس
عدم قدرة ومعرفة من قبل الله. وخاصة أن منفذ العملية هو ملاك الله.
-
الجدير بالذكر أن شعب إسرائيل رأوا قوة الله وجبروته وعظمته في هذه
القصة، الأمر الذي لم تره أنت سيدي الفاضل فيقول موسى للشعب " … اذكروا هذا اليوم الذي
فيه خرجتم من مصر من بيت العبودية. فإنه بيد قوية أخرجكم الرب من هنا. (خروج 13: 3)
***
وتتحدث التوراة عن الله وكأن
آدم قد قهره حين أكل من شجرة المعرفة والتفرقة بين الخير والشر، وكأنه خلقنا ولم
يرد منا أن نميز الخير من الشر، ثم خاف أن يأكل آدم من شجرة الحياة، فيصبح كالرب من
الخالدين، فأقام حرساً من الملائكة في طريق هذه الشجرة " أوصى الرب الإله آدم
قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل
منها.... وقال الرب الإله: هوذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفاً الخير والشر.
والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد. فأخرجه الرب
الإله من جنة عدن ليعمل الأرض التي أخذ منها. فطرد الإنسان، وأقام شرقي جنة عدن
الكر وبيم، ولهيب سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة" (التكوين 2/17- 3/23)،
الصديق الفاضل
هذا النص لا نستطيع أن نعتبره تناقض أو يوضع عدم قدرة الله، ولكنه
سوء فهم لنصوص الكتاب المقدس، نحن نثق أن الله يختار الخير وكل الخير لصنيعة يديه،
(وهذا تعبير لغوي يعبر عن الخلق فأنا أعلم أن الله روح ليس له أيدي كالبشر) ونرى هنا الإنسان الذي أراد معرفة
الخير والشر ماذا فعل؟ لقد عصى أوامر الله، فعرف الشر من خلال اختباره ذلك العصيان فعليا، فعصيان الله شر وليس خير والإنسان
عرف الشر من خلال العصيان. قبل هذا هل
كان آدم يقترف الشر أم الخير؟ انه كان بالتأكيد يفعل مشيئة الله ومشيئة الله خير …
ودعني أسألك هل من الصالح أن يعرف الشر؟
في الواقع سيدي العزيز لم يكن الشر موجودا في العالم, ولكن في
البداية خلقت مجموعة من الملائكة الشر من خلال عصيانها لله، فاصبح الشر موجودا بذلك
التمرد (لأن كل تمرد وعصيان على الله شر وكل سلوك داخل دائرة ومشيئة الله هو خير)
ومن بعد الملائكة خلق الإنسان بدوره الشر الذي لم يكن موجودا في خليقة الله الأرضية
إلا عندما عصى آدم ربه فخلق بذلك الشر.
إن
تعبيرك سيدي عن هذا المفهوم بذلك التعليق : (يصوره حريصاً على جهل الإنسان، خائفاً من تعلمه ثم من
خلوده)
لهو استنتاج سيئ لموضوع أراد
به الله أن ينجي الإنسان.
من سياق
الكتاب المقدس ككل وعد الله الإنسان بالخلود, لذلك فهو لم يكن خائف من خلود
الإنسان، ولكنه لم يكن يريد للإنسان أن يكون خالدا وهو في حالة المعصية, فتصير
نجاته مستحيلة
أن عاقبة الخطية والعصيان هي الموت، هكذا كانت عدالة الله، وأيضا
هذه هي محبته. لأن الموت يعني إمكانية تغير الحالة الفاسدة التي أصبح عليها بفعل
الخطية وإعادة خلق جديد غير فاسد … فإذا أكل آدم من شجرة الحياة بقي خالدا وهو على فساده، فيكون مصيره
هو نفس مصير تلك الملائكة الساقطة وهو جهنم وبئس المصير. أما عند منع عن الخلود وهو
في حالة فساده أصبح هناك مجال وإمكانية لحصول علاج لهذا الأمر، وهذا تم من خلال موت
كلمة الله يسوع المسيح عيسى بن مريم عن كل البشر ليعيد لهم رجاء الخلود بصورة
صحيحة، فالمسيح هو شجرة الحياة الحقيقية.
لذلك وضع
الله حراسة لشجرة الحياة 0بصورة مؤقتة حتى تفنى الجنة كلها، لأنه يعرف طبيعة الإنسان الساقطة المحبة
لهدم نفسها فهو يعرف انه سيذهب خلسة إلى الشجرة مثلما فعل مع الشجرة الأولى وأكل
منها سيفعل هكذا مع الأخرى
الجدير بالذكر أن شجرة الخلود هذه لم يكن
آدم محروما منها قبل السقوط (راجع أمر الله لآدم في سفر التكوين)
الأمر الذي ينفي عن الله خوفه من خلود
الإنسان…
ولكن جاء الخوف بعد أن تسمم الإنسان بداء العصيان على الله والمسمى بالخطية
أتمنى أن أكون قد أجدت شرح فكرة هذا النص الذي يدعمه روح الكتاب
المقدس كله، أما مفهومك عن هذا النص فيسقط بكثير من الأدلة
ومثله في العجز والنقص ما تذكره التوراة من أن الرب بعد ما أغرق الأرض بالطوفان زمن
نوح قال لنوح ومن معه: "أقيم ميثاقي معكم فلا ينقرض كل ذي جسد أيضاً بمياه
الطوفان،... وضعت قوسي في السحاب فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض.... فمتى كانت
القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقاً أبدياً..." ( التكوين 9/11 - 17 ) فجعل قوس
قزح علامة تذكره بالميثاق الذي ضربه لنوح ومن معه.
الرد
سيدي الفاضل
تقول في نهاية الاعتراض "
فجعل قوس قزح علامة تذكره…
" والسؤال هنا تذكر من؟…
لا يمكن أن تكون قد فهمت سيدي أن العلامة تذكر الله، هو لم يقصد في النص هذا مطلقا،
بل تذكر الإنسان إن أخطاءه وتمرده وعصيانه على الله أبادت العالم بأكمله من خلال
الطوفان، فيكون قوس قزح
عندما ينظر إليه الإنسان يتذكر تلك الحادثة وعندها:
1-
يشكر الله لأجل نعمته فلن يتكرر هذا الأمر من قبل الله ثانية ولن يحدث طوفان مهلك
للعالم بأجمع
2-
يتوب إلى الله من خطاياه ويرجع عن عصيانه لأن هذا العصيان قد تسبب في إبادة أناس
كثيرون من قبل
3-
يصلي إلى الله رافعا عنه بلاء المطر المهلك بناء على وعده وميثاقه، فتظهر بذلك ثقة
الإنسان في وعود الله. وأنه لا يخلف وعدا أبدا
الأمر بسيط سيدي، فنحن نصلي إلى الله طالبين التوبة وأن يغير من ظروف حياتنا
متمسكين بتلك الوعود التي وعد بها، ومن خلال تلك الوعود يكون لنا اطمئنان ورجاء لا
يمحى لأننا نثق أن كلما الله ثابتة لا تتغير. الأمر الذي يميز اله الكتاب المقدس عن
أي آلهة أخرى نستطيع أن نسميها مزاجية بمعنى أنه له الحق أن يفعل ما يشاء وكل ما
يشاء وله الحق أن يعد ولا يفي، فنجد وعود الجنة والحياة الآخرة السعيدة لا تلقى رجاء وصدى في نفوس البشر، لأنهم يرون الله له الحق في أن يزل
من يشاء ويرفع من يشاء بغض النظر عن وعوده.
إذا كنت
ترى أن التزام الله بميثاقه ووعوده نحو البشر ضعف، فأنا أراه منتهى القوة، ومنتهى
العدل. وبالتالي هو اله يعتمد عليه ويعطي السلام والطمأنينة لأنه إذا قال وفى، ونحن حاليا في عهد جديد بشر به منذ آلاف
السنين النبي أرميا ونجده قد تحقق في العهد الجديد " عهد المسيح" مما يثبت أن الله
له أسلوب لا يتغير مع البشر. يعدهم , ويعطيهم المواثيق … وينفذ وعوده. منذ أول وعد وعد به آدم في
تكوين 3: 15 والى الآن … هل هناك أقوى من اله الكتاب المقدس؟
سؤال يحتاج إلى إجابة
وكما يفيد
البشر من مشورة بعضهم لقصورهم عن إدراك عواقب الأمور، أيضاً تذكر التوراة أن الرب
شاور الملكين اللذين رافقاه في ذهابه إلى إبراهيم ثم لوط " فقال الرب : هل أخفي عن
إبراهيم ما أنا فاعله ؟" أي في قوم لوط.
ثم ما كان منه إلا أن قال " أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهم الآتي إلي، وإلا
فأعلم (أي ما أصنع بهم) " ( التكوين 18/17 – 21 ).
في هذا النص فقط من كل النصوص السابقة وجدت شبهة ضعف فأستطيع أن
أقول أنه أول نص ينبغي دراسته بصورة حقيقة حتى نستطيع أن نعرف أن كان الله ضعيف لا
يعرف المستقبل في بعض آيات العهد القديم أم لا … أما النصوص السابقة فكما سبق
وأوضحت هي أخطاء واختلاف في المفاهيم وأيضا اختلاف في طرق التفسير. وليس بها
بالنسبة لي أي مدلول يحتوي على ضعف … لنفتح الكتاب المقدس عند هذه
الحادثة التي تفضلت وذكرت، ولنحاول أن نفهمها بوضع بعض التساؤلات
1-
هوية الثلاث أشخاص … وهل ثالثهم الذي بقي مع
إبراهيم يختلف عنهم؟
2-
علام تدل صياغة هذا التساؤل " هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله" ؟
3-
نتيجة الحوار أدى إلى أي شئ .
لنبدأ
في الترجمة
الإنجليزية
NIV
نجد
"Gen 18:17-18
Then the
LORD said, "Shall I hide from Abraham what I am about to do? 18 Abraham will
surely become great and powerful nations, and all nations on earth will be
blessed through him
ونجد أن "
the LORD"
هذه في العبرية الأصلية هي "YAHOVAH
" ومن المعروف أن يهوة هو اسم الله ومن هنا نرى أن المتكلم كان هو شخص الله بالفعل،
أو ممثل(سفير) حقيقي لله بحيث يعتبر الله،
ولكن لمن كان يتساءل…
وهذا هو السؤال… لقد أجبتم عن هذا الأمر بأنه شاور الملاكين، ولكن هذا
غير واضح في النص، بل أنه لا يوجد أي شبهة في أنه وجه حديثه إلى الملاكين، فمثلا لم نجد ردا من أحد الملائكة، بل أننا
لا نجد أن الملائكة كان لها حديث في وجود "يهوة" فعندما نقرأ النص كاملا لا نجد أي
لفظ تلفظ به أي من الرجلين الآخرين.
وهذا شأن الخدم…
فمنذ البداية يرى إبراهيم ثلاث رجال آتون من بعيد…
لم يعرف كنتهم ولكن كعادة إبراهيم يجري إليهم ، ومن المفروض أن يوجه الحديث إلى
ثلاثتهم لو كانوا في مكانة اجتماعية واحدة… ولكننا نقرأ في العدد الثالث هذا التعبير
( 3: وقال يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة …..) لم يقل أيها السادة ولكنه قال (يا سيد)
فالحوار تم مع السيد ولم يتم مع المرافقين
… إذن فمن الواضح حتى لإبراهيم أن هناك في الرفقة سيد
وخدم. ليوجه كلامه إلي السيد تاركا القرار بيد السيد وليس بيد الخدم … وبدءا من العدد الثالث عشر يظهر هوية
الشخص السيد المتكلم بأنه الرب، ونجده يتكلم بسلطان حيث يقول ( في الميعاد أرجع
ويكون لك ولد) فيبرز هنا السلطان والتميز الذي لدى السيد والفارق بينه وبين رفقاءه
الذين صمتوا تماما في هذا المشهد.
فلماذا
بعد كل هذا نظن أن الرب وجه حديثه إلى الملائكة…
لقد كان يكلم نفسه, كمن يتشاور مع نفسه… الأمر
الذي يدعمه كل السياق…
وهو هنا حديث المراد منه إبراز مكانة إبراهيم لدى الله، وليس المراد منه عجز الله
عن اتخاذ القرار. فلم نجد ردا من أحد بالمشورة على الله. بل أن استكمال الآية يوضح
أكثر قوة الله وقدرته الفائقة على المعرفة فيقول :
Gen 18:19
19 For I have chosen him, so that he will direct his children and his household after him to keep the way of the LORD by doing what is right and just, so that the LORD will bring about for Abraham what he has promised him.
لقد عرف ما سيفعله إبراهيم من تعليم أولاده وعرف المستقبل،وعرف
المصير… أليس كل هذا ينطق بالقدرة في
النص المتخذ كدليل على أن التوراة تذكر نقصا في الله؟ !!
كما أنه ذكر هذا الأمر لكي يعرف قارئ النص ما سبق وعرفه الله عن
إبراهيم…
سواء من جهة وعد الله أو من جهة قلب إبراهيم النقي الذي أراد إن يدافع عن البار
الموجود في المدينة. أيضا أراد أن يرينا قلب الله العادل والرحوم الذي كان على
استعداد أن يتراجع عن هلاك المدينة إذا كان بها خمس أبرار فقط, الأمر الذي لم يكن
موجودا
هذا النص
سيدي يحوي ما يبرز قدرة الله وقته ومعرفته وسلطانه ما يجعلنا نسجد لله ونخضع له
بالكامل إذ هو رحوم عطوف على البشر وعدله ودينونته إنما هي رد فعل تجاه شر البشر.
لله كل المجد والقدرة والسلطان.
النص الخامس
ومن العجز أيضاً قوله: "وكان
الرب مع يهوذا، فملك الجبل، ولم يطرد سكان الوادي، لأن لهم مركبات من حديد " (
القضاة 1/19 ) فكان ذلك سبباً لعجزه عنهم، فكيف يكون ذلك مع قولنا أنه كلي القدرة؟
من جديد وقعت
سيدي الفاضل
– دون
قصد- في خطا إرجاع الفاعل الغائب إلى صاحبه، فهنا من الذي لم يطرد سكان الوادي؟
انه يهوذا وليس الرب, نحن نجد هنا أن الرب كان مع يهوذا. ولكن يهوذا لم
يستفد بهذا الأمر كثيرا، إذ نظر إلى قوة الخصم ولم ينظر إلى قوته هو بوجود الرب
معه. والوعد الذي قاله الله ليشوع في بداية حربه لامتلاك الأرض هو كل أرض تدوسها
بطون أقدامكم هي لكم. وبالتالي إذا لم يتحرك يهوذا تجاه الأرض فلن تكون هذه الأرض
له. وفي أيام يهوذا برز بطل عظيم اسمه كالب ابن يفنه، وهو الذي قال ليشوع اعطني هذا
الجبل. وقد كان بالنسبة لكالب الجبل من أصعب الأمور إذ قال موضحا ذلك انه على الرغم
انه وصل إلى ما بعد الثمانين لديه القدرة على تحمل المصاعب ويمكنه أن يمتلك الجبل.
(اقرأ يشوع 14) إذ لم يكن الجبل سهلا، ولكن كان الشخص الذي تولى هذه
المهمة بطل يثق في قدرة الله ولا يلتفت إلى البشر…
ذلك لأنه قبل أربعين سنة رأي كالب عماليق وقال " لنحارب لأن الرب
معنا" وكان معه في ذلك الوقت يشوع. ولكن الشعب خاف ورفض…
إذا فالأمر هو خوف الشعب وليس عجز الله… فلو نظر الشعب إلى الله ولم
ينظر إلى مركبات الحديد التي لدى سكان الوادي لكان قد فاز بالغنيمة. ولكن هذا لم
يحدث.
نظرة بسيطة
إلى سفر يشوع ترينا قدرة الله الذي حطم أسوار أريحا بصوت الأبواق (يشوع 6) ، وتخلى
عن الشعب في عاي القرية الصغيرة بسبب خطيئة عخان (أحد رجال يهوذا) فنجد الشعب يخور
وينهزم(يشوع 7). وعندما يتوب الشعب يرجع إلى انتصاراته.(يشوع8)
صديقي العزيز الفاضل
نحن لا نأخذ
آية ونقرأها وحدها ومنها نستمد نفهم تعاليمنا عن الله. فالكتاب قطعة متكاملة، وهو
خال من التناقض كما نرى… لأنه ببساطة
علينا أن نأخذ النص كما يريد الكتاب أن نفهمه…
***
ومن هنا سيدي الفاضل
استنتاجكم النهائي وهو
من ذلك كله أرى أن هذه النصوص
لا تجعل الله كلي القدرة بل تجعله محدودا عاجزا عن الفعل أو اتخاذ القرار أو
التمييز ....وهو يتناقض مع ما ذكره الأستاذ من انه ثمة نصوص كثيرة تصف الله أنه كلي
القدرة، وهو بحق جل وعلا كذلك
يحتاج إلى الكثير والكثير من إعادة النظر فيه لأن النصوص كلها
يمكن فهمها بصورة بعيدة كل البعض عن النقص والعجز. تعالى الله عن أن يكون ناقصا أو
عاجزا وصدق رجل الله البار أيوب حين قال وصرح (قد علمت أنك تستطيع كل شئ ولا يعسر
عليك أمر، هذا الذي أكده رجال الله القديسين في صفحات الكتاب المقدس كله. دون ذكر
أو شبه لعجز أو نقص في الله يمكن إن نفهمه من نفس الكتاب
ولنا
عودة بمشيئة الله في اعتراض آخر
عماد
حنا
Email: emad_hanna_study@yahoo.com