سلسلة حلقات برنامج في الصميم -  القمص زكريا بطرس والأخ أحمد -  الذي يذاع على قناة الحياة

 

حلقات في الصميم - (حلقة رقم 10)

الظروف الدينية: الحنيفية

 

(1) المضيف: 1ـ كنا نتكلم عن الظروف الدينية المؤثرة على حياة محمد، وتحدثنا عن الديانة الوثنية في الجزيرة العربية.

2ـ هل يمكن أن نفتح باب النقاش اليوم في الديانة الحنيفية؟

الإجابة:

(1) بالتأكيد. دعني أذكِّر المشاهد بما قلناه سابقا عن الخريطة الدينية في الجزيرة العربية من أديان أيام محمد، فقد كان هناك:

1ـ عبادة الأوثان.   2ـ الحنفاء.    3ـ الصابئة.   4ـ اليهودية.   5ـ النصرانية.

(2) وناقشنا في العبادة الوثنية: الآلهة الوثنية، والشعائر الوثنية.

 (2) المضيف: إذن كلمنا عم الديانة الحنيفية؟

الإجابة:

(1) أولا أحب أن أفرق بين الحنيفية كمذهب إسلامي وهو مذهب أبي حنيفة، وبين الديانة الحنيفية، وهي ديانة الحنفاء قبل الإسلام.

(2) الحنيفية يوقل عنها (الشيخ خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ص24ـ26) هي: حركة دينية أُطلق على أصحابها "الحنفاء" وهم يرون أن الدين عند الله هو الحنيفية ملة إبراهيم، وتشمل:

1ـ اعتزال الأوثان  2ـ الإيمان بالله الواحد         3ـ تحريم شرب الخمر                4ـ تحريم الزنا       

5ـ الصوم           6ـ الاختتان           7ـ النهي عن وأد البنات               8ـ حج البيت 

9ـ الإيمان بالبعث   4ـ المكتوب محتوم

(3) ويقول (د. جواد علي: المفصل ص 394) "ليس في أيدينا ما يفيد بوجود [تكتل وتنظيم] للحنفاء ... لذلك فلا نستطيع أن نقول أن الحنيفية كانت فرقة تتبع دينا بالمعنى المفهوم من الدين، كدين اليهودية أو النصرانية"

(4) ويضيف قائلا: (ص 394) "لم يكن لها أحكام وشريعة تستمدها من كتب منزلة مقدسة من وحي أنزل من السماء"

(5) ويستطرد (د. جواد علي: المفصل ص 393) قائلا: "نستطيع أن نقول عن هؤلاء الحنفاء أنهم كانوا أناسا من النوع الذي نطلق عليهم كلمة (مصلحين) فهم من هذا الطراز الذي يريد إصلاح الأوضاع ورفع مستوى العقل"

 (3) المضيف: هل يمكن أن تذكر لنا أسماء بعضهم؟

الإجابة:

كعب بن لؤي بن غالب: الجد الأعلى لمحمد.

عبد المطلب بن هاشم: الجد المباشر لمحمد.

3ـ الشاعر زيد بن عمرو بن نفيل (عم عمر بن الخطاب)

4ـ الشاعر أمية بن أبي الصلت: وكان معاصرا لمحمد وتأثر محمد به حتى تبنى كلامه وجعله آيات قرآنية.

 (4) المضيف: أولا: كيف تأثر محمد بهذه الحركة عموما؟

وثانيا كيف تأثر بالشاعر أمية بن أبي الصلت على وجه الخصوص ؟

الإجابة:

1ـ بخصوص سؤالك الأول: لقد اختار محمد معتقدات هذه الحركة وأعلنها دينا، وجعل لها كيانا وتنظيما وشرائع وجعل لها مرجعا أي كتاب دين، كبقية الأديان وسماه القرآن، وادعى أنه منزل من السماء بواسطة الملاك جبريل.

2ـ وهذا ما أشار إليه (الشيخ خليل عبد الكريم: الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية ص26) قائلا: "تبنى الإسلام تلك السنن والعقائد والشعائر"

3ـ وقد استشهد بتعبير الإمام الحافظ أبي الفرج الجوزي بأن "الإسلام وافقهم عليها، وبشر بها ودعا إليها"

 (5) المضيف: ما الدليل على ذلك من القرآن بأن محمدا تبنى هذه الحركة الحنيفية ودعا إليها؟

الإجابة:

1ـ (النحل 123) "ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

2ـ (يوسف 38) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ"

3ـ (الأنعام161) "قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

4ـ (آل عمران 95) "قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

5ـ (البقرة 135) "وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"

6ـ (الحج 78) "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ"

 (6) المضيف: هل هناك أدلة أيضا من كتب التراث والفقهاء والعلماء المسلمين؟

الإجابة:

1ـ نعم. يقول الطبري على تفسير (سورة الأنعام 161) "هُوَ دِين اللَّه الَّذِي اِبْتَعَثَهُ بِهِ, وَذَلِكَ هو الْحَنِيفِيَّة, ... هو { مِلَّة إِبْرَاهِيم } أي دِين إِبْرَاهِيم. { حَنِيفًا } أي مُسْتَقِيمًا"

2ـ ويقول الواحدي في (أسباب النزول ص32) "دخل رسول الله المدارس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله، فقالوا له: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم"

3ـ ويقول (د. جواد علي: المفصل ص 419) "قدم أمية بن أبي الصلت المدينة ورأى محمدا، وسأله: ما هذا الذي جئت به؟ فقال محمد: "جئت بالحنيفية دين إبراهيم"

 (7) المضيف: قلت أن أمية بن أبي الصلت كان من بين الحنفاء الذين تأثر بهم محمد، فهل تذكر لنا أمثلة لما تأثر به؟

الإجابة:

(1) قال (د. جواد علي: المفصل ص 417) كان أمية أول من أشاع في الكتابة إفتتاحية "باسمك اللهم" وقد استخدمها محمد ثم تركها واستبدلها باسم الله الرحمن الرحيم.

(2) كما أخذ محمد من أمية حكاية ظهور ملاك له، وشق صدره، وتهيئته للنبوة، وصنع مثله.

1ـ فقد قال (د. جواد علي المفصل ص414 و415) مستشهدا (ابن كثير البداية والنهاية ج2 ص 206) "هناك روايات عن تقابل [أمية بن أبي الصلت] مع الرهبان وتوسموا فيه إمارات النبوة. وعن هبوط كائنات مجنحة عليه، وشقت قلبه، ثم نظفته، وطهرته تهيئة لمنحه النبوة".

2ـ ألم تقل كتب السيرة عن محمد مثل هذا الكلام؟

·        تقابله مع الرهبان وإمارات النبوة، هبوط كائنات مجنحة عليه وشق قلبه وتهيئته لمنحه النبوة: وهي مذكورة في (السيرة النبوية لابن هشام ج1 ص116)

 (8) المضيف: هل أخذ محمد من شعره ووضعه في آيات من القرآن؟

الإجابة: نعم. (1) خلقة السماوات بلا عمد:

1 ـ قول أمية بن أبي الصلت (ديوان شعراء النصرانية ج1 ص 226):

إله العالمين وكـلِّ  أرض

 

ورب الراسيـات من الجبـال

بناها وابتنى سبعا  شداداً

 

بلا عَمـَدٍ  يريـن ولا حبـالِ

وسواها  وزينـها بنـور

 

من الشمس المضيئةِ  والهلال

ومن شهُبٍ تلألأ في دجاها

 

مراميهـا أشـد من النصـال

2ـ أليس هذا ما قاله محمد في (سورة لقمان31: 10) " خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ"

 (9) المضيف: هل يوجد شيء آخر؟

الإجابة:

الحضرة العُلْوِيَّة: قول أمية بن أبي الصلت (ديوان شعراء النصرانية ج1 ص 227):

 

1

لك الحمدُ والنعماءُ والمـلكُ ربَّنـا

 

فلا شيئَ أعلى منك مجداً وأمجدُ

2

مليك على عرش السماء مهيمـن

 

لعزته تعنو  الوجوه  وتسجــد

3

عليه حجاب النورِ والنورُ  حولَـه

 

وأنهار نورٍ حولَــه  تتوقــد

4

فلا بصرٌ يسـمو إليـه  بطرْفـه

 

ودون حجاب النور خَلْقٌ مـؤَّيَّد

5

ملائكـة أقدامـهم تحت عرشـه

 

بكفَّيْهِ لولا اللهُ كلُّوا وأبْلَـــدوا

6

فسبحان من لا يعرف الخلق قدره

 

ومن هو فوق العرش فردٌ موحد

7

هو الله باري الخلق والخلقٌ كلٌّهم

 

إماء له طوعا جميعا  واعبـدوا

8

ونفنى ولا يبقى سوى الواحدِ الذي

 

يميت ويحيي دائبا  ليس يَهْمـُد

9

ومن خوف ربي سبح الرعد فوقنا

 

وسبحه الأشجار والوحش  أُبَّدُ

10

فكن خائفا للموت والبعـثِ بعـده

 

ولا تك ممن غره اليوم أو غد

2ـ جاء هذا الكلام في الآيات القرآنية: (الأعراف7: 54، الزمر39: 75، الحشر59: 23، الشورى42: 51، الأنعام6: 103،آل عمران3: 156)

 (10) المضيف: هل وجدت مقابلات أخرى؟

الإجابة:

1ـ يقول (د. جواد علي: المفصل ص 422) "إن في وصف أمية بن أبي الصلت ليوم القيامة والجنة والنار تطابق في الرأي جملة وتفصيلا لما ورد عنها  في القرآن"

2ـ ويضيف (د. جواد علي: المفصل ص 421) "جاء في شعر أمية بن أبي الصلت أن الله يبعث الناس ويحاسبهم ويجازيهم، فالمجرمون في النار خالدين فيها أبدا، والمتقون بدار صدق ناعمون، لهم ما يشتهون، فيها عسل ولبن وخمر وماء بارد عذب سليم، ورطب وتفاح ورمان، وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ للأعين، وحور نواعم في الأرائك قاصرات، على سرر ترى متقابلات، وكأس لا تصدع شاربيها، لا لغو فيها ولا تأثيم".

3ـ ويورد (د. جواد علي: المفصل ص 429) الأبيات التي تذكر ذلك:

فذا عسل وذا لبن وخمرُ       ...       وقمح في منابته صريمُ

وتفـاح ورمان ومـوز

...

وماء بارد عذب سلـيم

وفيها لحم سامرة وبحـر

...

وما فاهوا به، لهم مقيم

وحور لا يرين الشمس فيها

...

على صور الدمى فيها سهوم

نواعم في الأرائك قاصرات

...

فهن عقائل وهُـمُ قـروم

وكـأس لا تصدع شاربيها

...

يلذ بحسن رؤيتها النديم

4ـ ألم يذكر ذلك في (سورة محمد 15) " مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ، فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى"

5ـ ففي (سورة الواقعة 17ـ 22) " يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ... إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا"

6ـ (سورة الرحمن 62) " وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ... فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ... حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ

 (11) المضيف: هل لديك دليل أن محمدا عرف شعر أمية بن أبي الصلت؟

الإجابة:

1ـ يقول (ابن كثير البداية والنهاية ج2 ص613) "طلب النبي محمد من أحد الصحابة قائلا: أمعك من شعر أمية بن أبي الصلت شئ؟" قلت نعم، قال: فأنشدني بيتا. فلم يزل يقول لي كلما أنشدته بيتا: إيه، حتى أنشدته 100 بيت" (انظر أيضا: د. جواد علي: المفصل ص 419)

2ـ وقد شهدت (دائرة المعارف الإسلامية ج 4 ص1203) "إن أشعار أمية بن أبي الصلت ... هي من المصادر الصحيحة التي استمد منها القرآن  رأسا الآراء الدينية .. وفي كلام أمية مطابقة لما جاء في القرآن إلى حد كبير. ويكاد الاتفاق يقع كلمة كلمة في كثير من الأقوال"

 (12) المضيف: سؤال أخير. ما رأي أمية ابي الصلت في محمد؟

الإجابة: قال (د. جواد علي: المفصل ص 419) أن أمية بن أبي الصلت رأى مقابر من قتلوا من قريش في معركة بدر، فجدع أنف ناقته، وشق ثيابه وبكى قائلا: لو كان هذا نبيا ما قتل ذوي قرابته"