سلسلة حلقات برنامج في الصميم -  القمص زكريا بطرس والأخ أحمد -  الذي يذاع على قناة الحياة

 

حلقات في الصميم - (حلقة رقم 5)

الشخصية القبلية هاشم وعبد المطلب

 

(1) المضيف: 1ـ كنا نتكلم في الحلقة السابقة عن كشف الظروف المؤثرة على حياة محمد الشخصية والقبلية.

                2ـ وانتهينا إلى أن السلطة استقرت في يد هاشم بن عبد مناف بالتحديد دون بقية إخوته

               3ـ فهل تزيدنا معرفة بهاشم وماذا فعل؟

الإجابة:

1ـ نعم. كان اسمه عمرو، وسمي هاشما لأنه كان يهشم الخبز في المرق لقومه، كما يقول ابن هشام.

2ـ وتقول الحكاية أنه كان يُشْرِك أهل مكة في إطعام الحجاج، فأصابتهم ضيقة مادية، فذهب إلى الشام بجميع أمواله واشترى كعكا، وعاد ليهشمه في المرق للحجاج (ابن هشام: السيرة ج1 ص142)

3ـ وكان هاشم أول من سن رحلتي الشتاء لليمن والصيف للشام التجاريتين (ابن هشام السيرة ج1 ص142)

وحوَّل مكة من مجرد موضع مرور للتجارة إلى مركز تجاري كبير ومعنى ذلك: أنه كان دخلهم من التجارة هي محرد الضريبة المفروضة على مرور التجارة في مقابل تأمين الطرق. أما وقد جعلها مركز التجارة فأصبح يشتري البضائع ويبيعها ويَحْصُل على هامش الأرباح، فازداد الدخل من التجارة. (أحمد شلبي: كتاب السير ج1 ص 146)

5ـ وبهذا استطاع أن ينقل مكة من مجرد قرية ترانزيت إلى "جمهورية تجارية" بحسب تعبير (دائرة المعارف الإسلامية ج31 ص 9595)

 (2) المضيف: كان هاشم إذن شخصية جبارة في زمانه.  أليس كذلك؟

الإجابة:

1ـ نعمز هذا ما تشهد به كتب التاريخ والسير.

2ـ ولمركزه المتميز في مكة كسيد لها سافر وتقابل مع ملوك الدول الكبرى في ذلك الزمان، فعقد مع الروم معاهدة تجارية لتذهب تجارة قريش إلى الشام في أمان" (أحمد شلبي: السيرة ج1 ص146)

3ـ وعمل على توسيع حزبه [الحزب الهاشمي] بالتحالف مع الخزرج في يثرب [المدينة] وذلك بزواجه منهم (ابن هشام: في كتاب الروض للسهيلي ج1 ص130)

4ـ ثم ترك ابنه عبد المطلب وكان يدعى شيبة يتربى عند أخواله على الفروسية، ويتعلم من اليهود التاريخ الديني (انظر د. القمني: الإسلاميات ص 38).

 (3) المضيف: اسمح لي أن أخرج عن الموضوع قليلا، فقد لفت سمعي هذه الأسماء الغريبة. هل لها أية دلالة؟

الإجابة:

1ـ صحيح هذا الكلام يخرجنا عن الموضوع، لكن لا مانع فربما أدخل للمشاهد نوعا من الطرافة حتى لا يكون موضوعُنا جافا.

2ـ جاء في (ابن هشام: السيرة ج1 ص143 الحاشية السفلية)دعي شيبة، لوجود شيبة في رأسه.

3ـ ودعي بعبد المطلب، لأنه عمه "المطلب" ذهب إلى المدينة لإحضاره، فأركبه خلفه على الجمل، وعندما وصل مكة قال الناس: أن المطلب اشترى عبدا، لأنهم لم يكونوا قد رأوه، فقد ولد وتربى في المدينة. فاشتهر بهذا الإسم "عبد المطلب" (ابن هشام: السيرة ج1 ص143

 (4) المضيف: شكرا جزيلا، نعود لحديثنا عن هاشم والد عبد المطلب. فماذا تريد أن تقول؟

الإجابة:

1ـ أقول: ذهب هاشم إلى غزة لإجراء صفقات تجارية ومات هناك. وخلفة أخوه المطلب ومات.

2ـ فآلت السيادة على مكة إلى العبقري النابه عبد المطلب بن هشام (د. القمني: للإسلاميات ص38)

3ـ وجاء عنه في (السيرة النبوية لابن هشام ص 147) "وشُرِّفَ في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، وأحبَّه قومه، وعظم خطره"

 (5) المضيف: كلام كبير قوي، فكيف أنه لم يبلغ شرفه أحد من آبائه؟

الإجابة: هذا ما سيتضح فيما بعد.

1ـ فقد استعاد نهج جده قُصَيِّ، بإحياء دين إبراهيم (خد بالك) إألغاء الأصنام (السيرة الحلبية ج1 ص70)

2ـ وأعلن في الناس أنه أوحي إليه بينما كان نائما بالكعبة بحفر بئر زمزم. (لاحظ عملية الوحي) على أنها البئر التي تفجرت ليشرب منها إسماعيل وأمه (ابن هشام: السيرة ج1 ص148)

3ـ ويذكر ابن هشام في السيرة ج1 ص148) أنه بينما كان نائما بالحجر أتاه آتٍ أربع ليالي يأمره بحفر البئر، ثم قال له: احفر زمزم، فهي لا تنزف أبد ولا تُزم، تسقي الحجيج الأعظم .." (لاحظ السجع المشابه للقرآن)

4ـ  وقد أورد ابن كثير كلمات الوحي بكلمات أخرى (في البداية والنهاية ج 2ص 228):

(قم احفر زمزم* إنك في حفرها لن تندم* هي تراث من أبيك الأعظم* ...)

5ـ فكانت سبب فخر عظيم لعبد المطلب خاصة عندما نسبتها لإسماعيل. (لاحظ عملية الربط مع إسماعيل منذ قصي)

 (6) المضيف: وهل هي حقيقةً البئر التي تفجرت ليشرب منها اسماعيل؟

الإجابة:

1ـ هذا لا يثبته أي دليل سوى هذه القصة المنامية لعبد المطلب.

2ـ والواقع أن البئر التي تفجرت لإسماعيل، كما يقول الكتاب المقدس، وثبتت بأبحاث علم الآثار، كانت في برية بئر سبع جنوب فلسطين (سفر التكوين 21) و(قاموس الكتاب المقدس ص74)

3ـ وأن اسماعيل سكن في برية فاران جنوب فلسطين على حدود سيناء (تك21) وليس في مكة (نفس المرجع)

 (7) المضيف: نعود إلى عبد المطلب ماذا فعل غير حفر بئر زمزم؟

الإجابة:

** عبد المطلب هذا بعقليته المبتكرة، استطاع أن يخترع بعض الأمور التي دخلت إلى التراث العربي فالتراث الإسلامي فيما بعد، مثل:

إعلانه أن العرب عامة وقريش خاصة يعودون إلى نسب واحد هو إسماعيل بن إيراهيم. (د. القمني: الإسلاميات ص42)

2ـ لذلك أعلن عودته إلى دين إبراهيم الحنيف (لاحظ التركيز على الارتباط بإبراهيم منذ عهد قصي أيضا)

3ـ وأراد ان يتشبه بإبراهيم عندما نذر أن يقدم أحد أبنائه ذبيحا لله لو أنجب عشرة بنين، تماما مثلما حدث مع إبراهيم وابنه، وتم فداءه مثل ابن إبراهيم أيضا بمائة من الإبل.

4ـ وفي شهر رمضان [قبل الإسلام] كان يصعد إلى غار حراء ليتحنف. (ومنه أخذ محمد الصوم والتحنف في غار حراء)

5ـ وأعلن أنه حرم الخمر على نفسه.

6ـ ونادى بمكارم الأخلاق ، وبالبعث، والحساب والعقاب في الآخرة. (نفس التعاليم التي نادى بها محمد)

 (8) المضيف: كل هذا صنعه عبد المطلب؟ إن أعماله تثبت أنه رجل مصلح مستنير، فهل له أعمال أخرى؟

الإجابة:

1ـ نعم فهولم يكتف بسيادته على مكة بل تطلع للسيادة على الجزيرة العربية كلها وتوحيدها، (جاء في كتاب نحو آفاق أوسع لأبكار السقاف ج 2 ص 1244) أن عبد المطلب قال للناس: "إذا أحب الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء" واشار إلى ابنائه وأحفاده.

2ـ وكان يعد حفيده محمداً لأن يتبوأ هذا المركز.

3ـ جاء في (البيهقي: دلائل النبوة ج2 ص22) "كان يوضع لعبد المطلب جد الرسول فراش في ظل الكعبة فكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان محمد يأتي حتى يجلس عليه، فيذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول جده عبد المطلب: دعوا ابني. فيمسح على ظهره ويقول: إن لبُنَيَّ هذا لشأنا"

4ـ في (ابن كثير: البداية والنهاية ج1 ص261) "دعو إبني فوالله إن له شأنا، دعو إبني إنه يؤسس ملكا"

5ـ وتذكر كتب الثراث والسير ما سمعه عبد المطلب عن حفيده محمد من نبوات: تُجْمِعُ كلها على محورين: أنه سيكون له الملك والنبوة (د. القمني: الإسلاميات ص 44ـ47)

6ـ (لا حظ جذور عملية تمهيد المسرح ليملك محمد بإسم الدين)

7ـ ولكن مات عبد المطلب وكان محمد ابنَ ثمان سنين (ابن هشام: السيرة ج1 ص170)

8ـ وقال عنه محمد فيما بعد: "يبعث جدي عبد المطلب في زي الملوك وأبهة الأشراف" (السيرة الحلبية ج1 ص184)

 (9) المضيف: 1ـ وماذا حدث بعد وفاة عبد المطلب؟

الإجابة:

1ـ تولى السقاية وبئر زمزم العباس بن عبد المطلب، وكان أصغر إخوته سنا (ابن هشام: السيرة ج1 ص179)

2ـ وفي هذه الفترة قامت حرب الفِجَار بين قريش وهوزان، وكان محمد في الرابعة عشر من عمره، فاشترك فيها وقال: "كنت أنبل عن أعمامي أي ارد عدوهم إذا رموهم بها" (ابن هشام: السيرة ج1 ص185)

3ـ ويتضح من التاريخ والسيرة النبوية ضعف البيت الهاشمي بعد موت عبد المطلب، والدليل على ذلك:

·        أن قيادة الجيش انتقلت من بني هاشم إلى بني أمية وبالتحديد [حرب ين أمية بن عبد شمس] (ابن هشام: السيرة ج1 ص186).

·        ودليل آخر في شعر أبي طالب المدون في (ابن هشام: السيرة ج1 ص263) يقول فيه:

جزى اللهُ عنا عبدَ شمسٍ ونَوْفلا

...

عقوبةَ شرٍ عاجلا غـيرَ  آجـلِ

لقد سفُهَت أحلامُ قـومٍ  تبدَّلـوا

...

بني خَلَـفٍ قَيْضا بنا والغَيَاطِـل

وسهمٌ ومخزومٌ تَمَالـَوا وألَّبـوا

...

علينا العدا من كل طِمْلٍ  وخامل

فعبـدَ مَنافٍ، أنتم خيرُ قومكـم

...

فلا تشركوا في أمرِكم  كلَّ واغل

لعمري لقـد وَهَنْتُـم وعجزتـم

...

وجئتم بأمر مخـطئ للمفاصـل

وكنتم حديثا حطْبَ قدرٍ وأنتم

...

والآن حِطـابُ أقـدُرٍ ومراجـل

لَيْهِنِئْ بني عبدِ ِمَنافٍ عُقُوُقُـنا

...

وخُذْلانَنَا وتركُـنا في  المعاقـل

ورهطُ نُفَيلٍ شرُّ مَنْ وطِئَ الحَصى

...

وألأَم حـافٍ من مَعَـدَ وناعِـل

 (10) المضيف: وماذا حدث لبيت بني هاشم في حالة الضعف هذه؟   

الإجابة:

1ـ كان واضحا أن أبا طالب وجد في الفتى اليافع محمد ملامح ما قاله عبد المطلب عنه، أنه أمل الهاشميين.

2ـ لذلك تعهد بتربيته ومناصرته.              3ـ رغم أنه لم يعتنق الإسلام إلى أن مات.

4ـ وهذا ما ذكره ابن كثير في (تفسير سورة الضحى 8) قائلا: "كَفَلَهُ عَمّه أَبُو طَالِب ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَحُوطهُ وَيَنْصُرهُ وَيَرْفَع مِنْ قَدْره وَيُوَقِّرهُ وَيَكُفّ عَنْهُ أَذَى قَوْمه بَعْد أَنْ اِبْتَعَثَهُ اللَّه عَلَى رَأْس أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ عُمُره هَذَا وَأَبُو طَالِب عَلَى دِين قَوْمه مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان"

 (11) المضيف: اسمح لي أعود ثانية لسؤالي: كيف كان يعضده وهو لم يؤمن بدينه؟

الإجابة:

1ـ واضح أنه كان يناصره لهدف آخر وهو إحياء حلم قُصي وعبد المطلب. في تكوين دولة متحدة للجزيرة العربية. خاصة بعد الضعف الذي أصابهم بعد موت عبد المطلب.

2ـ لهذا يقول (د. القمني: الإسلاميات ص 81) "في أشعار أبي طالب إعتزاز واضح بأهله ورعطه، مع عمق غير خاف في النظرة السياسية للوضع المكي، ومثال لذلك قوله:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفـخرةٍ               فعبدُ مَنافٍ سرُّها وصميمُها

فإن حُصِّلت أشرافُ عبـدِ مَنـافٍ              ففي هاشم أشرافُها وقَديمُها

وإذا فخرت هاشم يوما فإن محمدا               هو المصطفى سرها وكريمها

تداعت قريش غثُّها وسمينُها علينا               فلم تظـفر وطاشت حلومُـها

3ـ ويؤكد هذا المعنى ما أعلنه صراحة أبو طالب عن الأهداف السياسية للبيت الهاشمي (ابن هشام: السيرة النبوية ج1 ص 258 ـ 266) قائلا:     

جزى الله عنا عبدَ شمسٍ ونوْفلا

...

عقوبةَ شرٍ عاجلا غـيرَ  آجـلِ

ونحن الصميمُ من ذؤابةِ هاشـمِ

...

وآلِ قُصيٍّ في الخُطُوبِ الأوائـل

فعبدَ مَنافٍ، أنتم خـيرُ قومِكـم

...

فلا تُشركوا في أمركم كلَّ واغـل

فأبلغ قُصيا أن سَيُنْشَرُ أمرُنــا

...

وبشِّـر قُصيا بَعْدَنـا  بالتخـاذل

وكان لنا حوض السقاية فيـهم

...

ونحن الكُدَى من غالبٍ  والكواهل

شباب من المطيبين وهاشــم

...

كبِيض السيوف بين أيدي الصياقل

بضربٍ ترى الفتيانَ فيه كأنهـم

...

ضواري أسود فوق لحم الخـرادل

(واغل= الدخيل/ الكدى= الصفة العظيمة/ الكواهل= السند/ الصياقل= الصاقل/ الخرادل= الوافر)

 (12) المضيف: 1ـ لقد ابتدأت الرؤيا تتضح عن كشف حقيقة محمد، أليس كذلك؟

الإجابة:

1ـ نعم. هذا فقط عن جانب من النقطة الأولى في الموضوع، وهي كشف الظروف المؤثرة على حياته، من جهة الظروف الشخصية والقبلية.

2ـ وأرجو في الحلقات القادمة مزيدا من الكشف عن جوانب أخرى من الظروف التي أثرت على حياته.

 (13) المضيف: شكرا، وموعدنا مع كلمة روحية.     الإجابة: (مت4) "أراه جميع ممالك العالم ومجدها"