سلسلة حلقات برنامج في الصميم -  القمص زكريا بطرس والأخ أحمد -  الذي يذاع على قناة الحياة

 

حلقات في الصميم - (حلقة رقم 6)

الحاجة لمملكة

 

(1) المضيف: 1ـ كلمتنا في الحلقات السابقة عن الظروف المؤثرة على حياة محمد الشخصية والقبلية.

2ـ فماذا تريد أن تقول لنا بعد ذلك؟

الإجابة:

1ـ نعم. أريد أن أتكلم عن جانب جديد من الظروف المؤثرة على حياته، وهي الظروف السياسية الداخلية والخارجية.

 (2) المضيف: ماذا تعني بالظروف الداخلية؟

الإجابة: (العرب في العصور القديمة د. لطفي عبد الوهاب ص319 ـ 374)

(1) أقصد في مكة، وفي الحجاز عموما.

(2) فقد رأينا أن الأحوال في مكة بعد موت عبد المطلب ضعفت وتمزقت.

(3) ولعل هذا ما يفسر الفقر والعوز الذي عاش فيه محمد "ووجدك عائلا فأغنى" (سورة الضحى 8) رغم نسبه لسادة قريش.

(4) فأصبح هناك احتياجات جديدة ليس لعائلة عبد المطلب فقط بل لمكة كلها، من هذه الاحتياجات:

1ـ الحاجة إلى الاستقرار والأمان، وذلك بتكوين جيش منظم.

2ـ الحاجة إلى حراس قوافل التجارة وحمايتها لعودة الرواج التجاري ورفع مستوى المعيشة.

3ـ ولهذا برزت حاجة مُلِحَّة لإعادة السيادة الموحدة في مكة، تحت قيادة رجل قوي مثل قصي وهاشم وعبد المطلب.

 (3) المضيف: وما علاقة إعادة السيادة على مكة بموضوع النبوة؟

الإجابة:

1ـ رأينا أنه عندما خطط قُصي الجد الخامس لمحمد أن يكون سيدا على مكة، اهتم بأن يستولي على مفاتيح الكعبة.

2ـ ثم أعاد بناءها، ونظم العبادة فيها.

3ـ وأحيا دين إبراهيم كما جاء في (دائرة المعارف الإسلامية ج 27 ص 8336) "كانت قريش ترى في قصي مؤسسها الحقيقي، ومؤسس الكعبة [وقد أحيا] عبادة إبراهيم.

 (4) المضيف: هذا ما ذكرته في حلقة سابقة فعلا. فماذا تريد أن تضيف؟

الإجابة:

1ـ أريد أن أضيف أن نفس الشيء استخدمه عبد المطلب حفيد قُصي وجد محمد المباشر.

2ـ فقد استعاد نهج جده قُصَيِّ، بإحياء دين إبراهيم وإلغاء الأصنام (السيرة الحلبية ج1 ص70)

3ـ وأعلن في الناس أنه أوحي إليه بينما كان نائما بالكعبة بحفر بئر زمزم.

4ـ فمن هذين المثلين يتضح أهمية الدين لتكوين الدولة كما قال د. سيد القمني في كتابه (الإسلاميات ص 32) "قد اُستُخْدِم الدين مُمَثَّلا في الكعبة كوسيلة لتكوين الدولة".

 (5) المضيف: ومن أين أتتهم هذه فكرة ارتباط الدين بالملك؟

الإجابة:

1ـ أتتهم من اليهود الذين كانوا منتشرين في الجزيرة العربية.

2ـ فقد مروا بنفس الأطوار، إذ كانوا قبائل متفرقة ولم تتوحد أسباطهم إلا بعد إعلان داود نبيا فصار له الملك. (انظر عباس العقاد: طوالع البعثة المحمدية ص 73).

3ـ وبدأت الفكرة تلمع في أعين من يشغلهم الحلم بتوحيد القبائل العربية تحت راية نبي ملك.

4ـ وهذا ما قاله (د. القمني: الإسلاميات ص 9) "فإن حكايات اليهود عن مغامرات أنبيائهم القدامى، وعن دولتهم الغابرة التي أنشأها الملك النبي داود، كانت وراء الحلم الذي داعب خيال سراة العرب وأشرافهم، حتى بدا لكل منهم طيف زعامته للدولة الموحدة مشرقا في الخيال، تدعمه ما بدأت تشهده الجزيرة في مناطق متعددة من محاولات لتوحيد القبائل سياسيا".

5ـ وقال أيضا د. القمني (الإسلاميات ص12) "لا حل سوى أن يكون منشئ الدولة المرتقبة نبيا مثل داود، وعندما وصلوا إلى هذا فشا الأمر بسرعة هائلة بين العرب، حتى اشتد الإرهاص [الإحساس] بالنبي المنتظر خلال فترة وجيزة، وأخذوا يسعون للتوطئة للعظيم الآتي ... وظن كل منهم أن الآتي سيكون منهم"

 (6) المضيف: هل كانت هناك فعلا محاولات من أحد ادعى النبوة ليكون ملكا؟

الإجابة:  نعم. فكُتُب التاريخ تذخر بهذه المحاولات، منها:

*** (ابن الأثير: الكامل في التاريخ ص 355) يقول: "وظهر الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة باليمامة، وطليحة في بني أسد، وعسكر بسميراء"

(1)    الأسود العنسي، باليمن (دائرة المعارف الإسلامية ج14 ص4397)، و(الكامل في التاريخ لبن الأثير ص350)

(2)    مسيلمة الكذاب ادعى النبوة ليملك في اليمامة (دائرة المعارف الإسلامية ج14 ص4397)

(3)    وطليحة بن خويلد الأسدي، في بني أسد (دائرة المعارف الإسلامية ج22 ص6902)

(4)    أمية بن أبي الصلت: (القمني: الإسلاميات ص69) "أعد نفسه للملك والنبوة طويلا"

(5)    أمية بن عبد الله الثقفي (القمني: الإسلاميات ص13) "الذي راودته نفسه بالنبوة والملك فقام ينادي:

ألا نبي منـا فيخـبرنـا   ... ما بعد غايتنا في رأس محيانا؟

(محيانا حياتنا. والمعنى )

(6) وغيرهم الكثير ممن يضيق الوقت بسرد أسمائهم.

 (7) المضيف: هل كان محمد كواحد من هؤلاء؟

الإجابة:

(1)      مما لا شك فيه أن محمدا ظهر في هذه الفترة التي تموج بكل من يدعى النبوة ليفوز بالملك.

(2)      وهذا ما قاله (د. القمني: الاسلاميات ص73) "لم يكد يبلغ الأربعين حتى حسم الأمر وأعلن نفسه نبي الأمة".

(3)      ويلاحظ أن محمدا أعلن نفسه نبيا على دين إبراهيم وليس الإسلام، ففكرة تسمية دينه بالإسلام جاءت متأخرة.

(4)      والدليل على ذلك ما جاء في (سورة النحل 123) "ثم أوحينا إليك أن اتَّبِع مِلَّةَ إبراهيمَ حنيفا"

 (8) المضيف: وماذا كان رد فعل الناس لهذه الدعوة؟

الإجابة:

(1) يقول (ابن هشام ج1 ص 243) (د. القمني الإسلاميات ص74): عندما بدأ الدعوة لم يجدوا فيها غضاضة ولم يكترثوا لها، للأسباب الآتية:

حرية الاعتقاد في ذلك الزمان.

2ـ وذلك بسبب المصالح التجارية في مكة تجمع أصحاب عبادات مختلفة لأصنام مختلفة، بالإضافة للحنفاء واليهود والنصارى.

3ـ عامل آخر هو أنه بدأ دعوته بأن يدعو لدين إبراهيم أي الحنيفية، والحنيفية معروفة لديهم ومتعايشة مع بقية الاعتقادات.

4ـ وخاصة أن محمدا لم يحاول في هذه المرحلة أن يجبر أحدا على اعتناق دينه.

5ـ بل تكلم عن آيات المسالمة الكثيرة ومنها:

* (سورة الكافرون 6) "لكم دينكم ولي دين"

* (سورة يونس 99) "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين"

* (سورة فاطر 23) "إن أنت إلا نذير"

 

 (9) المضيف: ثم ماذا حدث؟

الإجابة:

(1)      يقول (د. القمني: في الإسلاميات ص74) أنه حدث التصادم عندما بدأ محمد بأن يطالب أهل مكة باتباعه، فعارضوه قائلين: "أمفتون أنت أم مجنون".

(2)      فأخذ يشبههم بالحمير (سورة المدثر 51) "فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حُمُر مستنفرة فرت من قَسْوَرَة"

* تفسير بن كثير: "أَيْ كَأَنَّهُمْ حُمُر مِنْ حُمُر الْوَحْش .. فرت من الْأَسَد الذي َيُقَال لَهُ بِالْحَبَشِيَّةِ قَسْوَرَة".

(3)      وابتدأ يلقبهم بالكافرين (سورة الكافرون 6) "قل يا أيها الكافرون ..."

* وبهذا ينزع منهم صفة أنهم أهل الله.

 (10) المضيف: وهل تطور الأمر إلى أكثر من ذلك؟

الإجابة:

1ـ نعم تطور الموقف كما يوضح (د. القمني: في الإسلاميات ص75) عندما قام محمد يؤلب العبيد على أسيادهم، ويناديهم "اتبعوني أجعلكم أنسابا، والذي نفسي في يده لتملكن كنوز كسرى [أي الفرس]"

2ـ وكان العبيد عماد تجار قريش فيكونون الجيش المرافق للقوافل في رحلاتهم التجارية.

3ـ والأمر الثاني هو تعرضه لأربابهم، فيوضح (الطبري: الكامل في التاريخ ج2 ص328) "إن النبي حينما دعا قومه لم يبعدوا عنه أول ما دعاهم، حتى ذكر طواغيتهم" أي حارب شفعائهم وأربابهم.

3ـ ويضيف (الطبري: الكامل ج2 ص241) "جاء وفد من قريش إلى أبي طالب طالبين أن يكف محمد عن سب أربابهم وهم يتركونه لإلهه، فرد محمد قائلا: ادعهم أن ينطقوا بكلمة تدين بها لهم العرب، ويملكون بها العجم .. إنها كلمة الشهادة الإسلامية" فنفروا منه وتفرقوا.

 (11) المضيف: لقد بدأ التصادم فعلا، فماذا حدث بعد ذلك؟

الإجابة:

1ـ يقول (د. القمني في الإسلاميات ص 75) "فطن أهل قريش لنوايا محمد وهي:

2ـ أنه يهدف لغرض سياسي.          3ـ فيبدأ بضرب قريش في مصالحها التجارية.

4ـ حتى إذا تهيأ له الأمر امتلك أمر الحجاز (العرب). 5ـ ثم زحف على ممالك الروم والعجم.

6ـ فيرتفع شأن بني هاشم على حساب إخوته أبناء قصي (عبد الدار وعبد شمس ونوفل)

 (12) المضيف: وبعدما فطنوا لذلك ماذا فعلوا؟

الإجابة:

1ـ بالتأكيد بدأت مرحلة الهجوم: ولنسمع لما يقوله (د. القمني في الإسلاميات ص 77)

2ـ بدأت الأيات القرآنية تؤجج الحمية القتالية: (سورة العاديات 1ـ4) "وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا"

ابن كثير: بالعاديات: الْخَيْلِ إِذَا أُجْرِيَتْ فَعَدَتْ. وَضَبَحَتْ: الصَّوْت الَّذِي يُسْمَع مِنْ الْفَرَس حِين تَعْدُو، قدحا: "يَعْنِي اِصْطِكَاك نِعَالهَا لِلصَّخْرِ فَتَقْدَح مِنْهُ النَّار. [نقعا] يَعْنِي غُبَارًا فِي مَكَان مُعْتَرَك الْخُيُول"

 

4ـ ثم أخذ الهجوم في التصعيد: كما جاء في (الطبري: التاريخ ج2 ص332) حدث بينما كان محمد يطوف بالكعبة قال لهم: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح

 (13) المضيف: لقد وصل الأمر إلى مرحلة صعبة جدا، فماذا كان رد الفعل لهذا التهديد؟

الإجابة:

1ـ بعد هذا التهديد بدأت المواجهة العدائية التي انتهت بتركه مكة.

2ـ وأريد أن أعرض موقف أفراد أسرته أبناء قصي جده الأكبر، بني عبد الدار، وعبد الدار هو الإبن البكر لقُصي والذي أوصى له بالملك من بعده، ولكن بنو عبد مناف أخيه انتزعوا الملك منه ومن نسلهم أتى عبد المطلب ومحمد.

3ـ فماذا قال بنو عبد الدار: يقول (د. القمني: الإسلاميات ص81)  قال عمرو بن هشام: تنازعنا نحن وبني عبدِ مناف الشرف: قالوا أطعموا فأطعمنا، واعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء!!!

قلنا: والله لا نؤمنُ به ولا نصدقه" (ابن سيد الناس: عيون الأثر ج1 ص140)

5ـ وأنشد قائلا: أتونا بإفك [كذب] كي يضلوا عقولنا        وليس مضلا إفكُهم عقلَ ذي عقلٍ

(إن كذبهم لا يضل إلا من ليس له عقل)

6ـ وأقوى تعبير قرأته عن بني العمومة ليزيد بن معاوية الأموي [منسوبا إليه عن قصيدة طويلة لابن الزبعري] (ابن كثير: البداية والنهاية ج8 ص 227):

وَلَعَتْ هاشمُ بالـمُـْلِـك فـلا         مَلـَكٌ جـاء ولا وحـي نـزلْ

7ـ هذه هي الصورة في جوانبها، والأمر متروك للمشاهد أن يبدأ رحلة البحث والدراسة للوصول للحقيقة

 (14) المضيف: لقد أدركنا الوقت، فنرجئ بقية هذا الموضوع للحلقات المقبلة، والآن إلى الموضوع الروحي.