"صَلُّوا لِكَىْ لا تَدْخُلُوا فِى تَجْرُبَةٍ"

رسالة توعـية

 الأب متى المسكين

 

[ وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ اَلزَّيْتُونِ وَتَبِعَهُ أَيْضاً تَلاَمِيذُهُ. وَلَمَّا صَارَ إِلَى اَلْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ: صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ ] [ لوقا 22: 39, 40 ]...

[  ثُمَّ قَامَ مِنَ اَلصَّلاَةِ وَجَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ فَوَجَدَهُمْ نِيَاماً مِنَ اَلْحُزْنِ. فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا أَنْتُمْ نِيَامٌ؟ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ  ] [ لوقا 22: 45, 46 ]...

 

كان المنظـر كما رآه المسيح...

أن ساعـة الظلمـة قـد جاءت...

والشيطان يجـول جـولته الأخـيرة يجـرّ فى أذياله التلمـيذ الذى اصطاده ـ يهـوذا ـ وهـو قادم لمعـركته الفاصلة مع المسيح...

وقـد سلّح نفسه برؤساء الكهنة وشيوخ الشعب والجـند أيضـًا...

ورتـّب معهم مسبقـًا كل ما أمـلاه عـليهم من خطـته للإيقـاع بالمسيح...

من أجـل هـذا جاء المسيح إلى جـبل الزيتون مـع تلامـيذه ليلاقـيه وهـو فى حالة صـلاة, وأى صـلاة!...

 

يكفى أن يسمع القارئ أن عـرقه كان يتصـبب كقـطـرات دم...

وكانت أحاسيسه ملتهبة...

وبالرغـم من أنه عـالم بأن الضـربة الأساسية موجَّـهة إليه...

إلا أنه كان يهمّـه أن يسلّح تلامـيذه بالصـلاة حتى يستطيعـوا أن يواجهـوا التجـربة...

أمّـا هـو فكـان يعـدّ نفسه للتسليم وشرب الكـاس بعـد ما فـرغ من تقـديم مشيئته الكـاملة للآب...

أمّا تلامـيذه فكـان يريـد لهم أن لا يفـنى إيمـانهم وقت التجـربة...

 

عـندما وصـلوا إلى المكـان كانت رؤية المسيح ترصـد حـركات الشيطان...

فلم يكـن قـد تحـرّك بعـد مع رؤساء الكهـنة والشعب والجـنود وأعـوانه...

لذلك نبههم بوضـوح:

[ صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ] التى جاءت باللغـة اليونانية بوضوح, لأن التجـربة كانت لا تزال عـلى بُعـد...

 

ولكن بعـد أن فـرغ من الصـلاة...

رأى الشيطان عـلى الباب مـع كـلّ أعـوانه...

إذ بدأت بالفـعـل ساعـة الظلمـة وسلطانها...

فلمّا افتقـد تلامـيذه وجـدهم نيامـًا...

فأسرع إليهم أن:

[ قُومُوا وَصَلُّوا لِئَلاَّ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ]...

هـذا التحـذير النهائى...

 

واضح لدينا أن الشيطان استطاع أن يضـرب التلامـيذ بالنـوم حتـى لا يستطيعـوا أن يصـلوا...

وهـو الأمـر الذى أصبح واضحـًا كخـبرة لكـلّ من أراد الصـلاة أو الاستطالة فى الصـلاة...

فالتثاؤب والنعـاس يثقـل الرأس حتـى لا تعـود أى قـوة للصـلاة...

فإذا تـرك الإنسان الصـلاة ينشط فى الحـال ويأخـذ يتكلّم ويثرثر ويضحـك دون أى حاجـة للنـوم...

هـنا النـوم هـو المخـدّر الذى يسقيه الشيطان للدمـاغ لكى يحـرمه من اليقظـة وبالتـالى من الصـلاة...

كالمسكـر الذى يوعـز الشيطان به للأشخاص لكى بعـد أن يسكـروا يسوقهم إلى الخطـية بلا خـوف ولا جـزع ولا أى إحساس من الضمـير...

وبعـدها يستيقـظ الإنسان لـيرى نفسه قـد وقـع فى الفـخ وصار صانع جـريمة...

 

والآن نعـود إلى المسيح والتـلاميذ...

فالمسيح لا يـريد من التلاميذ أن يصـلوا مجـرّد صـلاة...

بلّ أن يكونوا فى " حـالة صـلاة" فلا يستطيع الشيطان أن يقـترب منهم...

وإذا سألنى سائل:

لماذا لم يمنع المسيح الشيطان من أن يجـرّب التلاميذ؟...

أقـول:

نرجع إلى المسيح وقوله لبطـرس:

[ وَقَالَ اَلرَّبُّ: سِمْعَانُ سِمْعَانُ هُوَذَا اَلشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ لِكَيْ يُغَرْبِلَكُمْ كَالْحِنْطَةِ!. وَلَكِنِّي طَلَبْتُ مِنْ أَجْلِكَ لِكَيْ لاَ يَفْنَى إِيمَانُكَ.] [ لوقا 22: 31, 32]...

لاحـظ هنـا قـول المسيح أن " اَلشَّيْطَانُ طَلَبَكُمْ" فهـو له أن يجـرّب ولا يمنعه الله...

المسيح هنـا لم يعِـد بطـرس أن ينجـيه من التجـربة...

بل يستطيع فقط أن يطلب لكى لا يُفنى إيمانه بعـد أن يسقط فى التجـربة...

وقـد سقـط بالفعـل فى التجـربة بعـد ساعـات قليلـة مـن تحـذير الرب يسوع المسيح...

فحصـد ثمـن نومـه وعـدم طـاعـة الوصـية...

معنى هـذا أن المسيح لا يتدخـّل فى منع التجـربة لأنها تأتى نتيجـة كسر الإنسان للوصية...

ولكن الذى عـمله المسيح هـو أنه أعطانا أن نصـلى باسمه فلا ندخـل فى تجـربة...

 

إذن بعـد أن أعطانا المسيح السلاح القـوى وهـو الصـلاة باسمه القـادرة عـلى هـدم حصـون الشيطان...

لم يعـد لنا هـمٌّ :

[ اِذْهَبُوا. هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ مِثْلَ حُمْلاَنٍ بَيْنَ ذِئَابٍ ] [ لوقا 10: 3 ]...

ولكـن الذئاب المتوحشة تهـون...

إنما يقصـد الذئاب التى يرسلهـا الشيطان فى ثياب حمـلان أو مـلائكة نـور, سيان !!! أو حتـى بقـبلة!!...

 

فالإنسان طالما هـو فى حـالة صـلاة يكـون قـد تسلّح ضـد التجـربة ليجـوزها بنجـاح لحساب المسيح!!...

والمسيح لمّا عـلمنا فى صـلاة " أبانا الذى" أن نصـلى إلى الآب لكى لا يدخـلنا فى تجـربة...

فالمقصـود من ذلك أن نفتح وعـينا إزاء التجـربة وأعـمال الشيطان لنستعـين بالصـلاة إلى الآب دائمـًا...

وحينئذ لا يُدخـلنا الآب التجـربة إن صلينا...

ولكن بدون الصـلاة يصبح للشيطان مدخـل فـينا...

 

والقصـد من هـذه التوعـية التى نقـدمها للقـارئ فى هـذه الأيام هـو أن نرصـد حركات الشيطان حولـنا فى كنيستنا وبيوتنا وأسراتنا...

لأن إهمالنا للصـلاة أعطى فرصًا كـثيرة للشيطان أن يدخـل فى كـلّ مكان ويفسد كـلّ عـلاقة...

والكـل لاهٍ عـن نشاط الشيطان المخـرّب...

لأنه يستحـيل لإنسان أن يحسب أو يكشف حـركات الشيطان وتدخـلاته إلا بالصـلاة...

 

من هنـا كانت وصـية المسيح أن " نصـلّى كلّ حـين" ...

لا بصـلاة محـدودة...

ولكـن أن نكـون فى حـالة " وعـى الصـلاة", والقـلب متصـل بالمسيح...

وهـذه حـالة نعـتادها بعـد أن نكـون قـد قبلـنا نعـمة أن نُمارس الصـلاة بالروح, ولمـدد طويلة...

الصـلاة بالروح تُقـتنى بدوام الصـلاة ورفـع القـلب لله...

وهـى أثمـن ما يُـقـتنى من عـند المسيح...

وكـثيرون من الذين يحمـلون هـمّ الناس استؤمنوا عـليها لكى يؤدوا واجبهم من نحو المساكين والضعـفاء والمرضى والمدمنين...

لأن خـدمتهم تحتاج فـعـلاً إلى صـلاة فـعـالة...

فالله يعـطيها لمن يستخدمونها لحمـل همّ أولاده الأصـاغـر ليصـلوا عـليهم فيشفـوا, ويطلبوا من أجـل المظـلومين فيتدخـل الله فى الحـال لنجـدتهم...

فهـى رأس مال كل كارز وخادم...

تشرح الإنجـيل بسهـولة, وتكشف أسرار المسيح, وتفتح القـلب بصـدق كـلام الرب وفاعـليته...

إذ ينفتح القـلب والذهـن لقـبول نعـمة الصـلاة الدائمة التى بها يستطيع الإنسان فى أى وقت أن يحس بلهـج الصـلاة فى قـلبه الذى يسعـفه بالصـلاة المسموعـة وقت الخـطر:

[ أَمَّـا أَنَـا فّصّـلاة ] [ مزمور 109: 4 ]...

هـذه حـالة لا يقـربها الشيطان بلّ يرتعـب منها...

ويـلزم أن لا يكـون مخـفيـًا عـنّا أن الشيطان إزدادت أعـماله ودخلت كـل البيوت والكنائس...

وهـذه الانقسامات والعـداوات والتعـديات والخصـومات تشهـد عـلى ذلك وتوعّـينا أننا فى خطـر...

لأن أى بيت أو كنيسة فيها إنسان كيهـوذا يدخـل بواسطـته الشيطان ليس كضيف بلّ كصاحب بيت!!...

 

ولكـن ليس من الضـرورى أن يكـون عـلى مستوى يهـوذا...

بلّ يكفى أن يكـون قـد تآخى مع الخطيئة ومات ضمـيره وصـار مقـودًا يعـمل تحت إيحـاء الشيطان...

 

والآن أصبح من الضـرورى لكـل راعى كنيسة مسئول عـن كنيسته, أن يكـرّس أوقاتـًا ثابتة مخصصة لجحـد الشيطان الذى يتدخـل فى وسط الرعـية ليستخـدم ضعـاف الإيمـان فى تبنـى إيحـاءات الشيطان للمنازعـات والانقسامات والتحـزبات والخصومات...

هـذه الأمور التى أصبحت عـادية الآن, وهى من عـمـل الشيطان...

 

فإذا لم نقـاوم الشيطان بالصـلاة فسيملك عـلينا ويسئ إلى أولادنا فى الداخـل والخـارج...

والنتيجـة هـى أن يرعـاهم الشيطان لحسابه...

إذن, فلا بـدّ أن يكـون الأب فى كـل أسرة واعـيًا وكذلك الأم, بالمواظبـة عـلى الصـلاة من اجـل سلام البيت وسلام الأولاد ومحبتهم لئلا يدخـل الشيطان وينقسم البيت عـلى ذاته...

وليعـلم كـل إنسان أن الشيطان ـ كما نراه الآن ـ مُسيّب يهيـّج الأمم عـلى بعضها, بل الأمة الواحـدة يقسمها عـلى نفسها...

ويثير الأحقـاد وبالتالى الحـروب لخـراب العالم...

فليس أسهـل أن يمارس أحقـاده عـلى الكنيسة نفسها وقد ضعفت...

بعـد أن أذاقـته العـذاب بصـلواتها فى العـصور الآبائية...

 

وفى النهاية نعـود إلى وصـية المسيح أن:

[ صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ]...

هـذه الوصـية الإلهـية هـى السلاح الوحـيد ضـد أعـمال الشيطان المنظـورة وغـير المنظـورة...

وهـى الحصن المنيـع الذى نلجـا إليه فى أيام الضـيق القـادمة...

 

إذن, فنصيحـة المسيح لكـل واحـد من أولاده اليـوم, أن صـلّ واهـرب لحـياتك...

والذى يقـول ليس عـندى وقت للصـلاة, فهـذا قـد استطاع الشيطان أن يقـنعـه بذلك حـتى لا يصـلّى أبـدًا...

وإن كنتم فى حـالة صـلاة, فأنتم فى أمـان من التجـربة...

وإذا وقعـتم فى تجـربة فـلا تكفـّوا عـن الصـلاة حتـى يخـزى الشيطان ويستطيع المسيح أن يخلصكم, ولا يضعف إيمانكم...

ولا تحـزنوا إذا أصـابتكم أى خسارة, لأن الحـزن هـو كأس الشيطان الذى يدس فـيه قَطـْع الرجـاء, فليذهب كل شئ ويبقى الإيمان...

ولا تناموا فى وقت الخطر, بل تيقظـوا واسهـروا وصـلوا لتُحْسَبوا أهـلاً للنجـاة :

[ حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ وَالَّذِينَ فِي وَسَطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجاً وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا] [ لوقا 21: 36 ]...

والذى يعـتاد الصـلاة يحس بقـرب عـمـل الشيطان ويستعـد له...

فصـلوا وكـونوا مستعـدين, فالرب قـريب...

صـلّوا, صـلّوا, صـلّوا...

ومن لم يتعـلّم الصـلاة بعـد, فليبدأ أن يصـلّى...

 

فـبراير 1996 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ