المرسل الصغير

بقلم : عماد حنا

 

وضعت الجريدة جانبا , وقد هزني النبأ كثيرا , يا إلهي , ما أبغض هذا الخبر , لم أتمالك نفسي من البكاء وأنا المعروف عني أنني بطئ التأثر ولكن هذا الخبر الذي قرأته في الجريدة هز كل مشاعري , وبسرعة ذهبت إلى أرشيفي الخاص لأخرج ملف يحتوي علي مجموعة من الرسائل , أخذت أقلبها بسرعة وأنا أتذكر صاحبها الذي لم أره أبدا , ولكني ارتبطت معه بعلاقة دامت قرابة العام والنصف .

          امتدت يدي بأول رسالة بعثها لي , كانت من الورق الرخيص واستخدم في كتابتها القلم الرصاص , وان كان خطه جميل و واضح .

أخذت أقرأ الرسالة وأنا أتخيل صبيا صغيرا فقيرا بائسا ينظر إلي من خلال السطور والكلمات , قال لي

" السادة الأحباء

          أحييكم باسم الحبيب يسوع وأتمني لكم دوام الازدهار , أسمي بوب فلنت , وعمري سبعة عشر عاما وبضعة أشهر , منذ ثلاث أعوام وأسفل عمود النور الذي ينير الشارع الذي أسكن فيه عرفت المسيح , اختبرت تلك المحبة العجيبة التي أحبني بها , وصليت لذلك الإله العجيب وأنا في أشد حالات السعادة ,لقد صرت ابنا لله .. ظروفي الحياتية صعبة جدا مما جعلني أترك دراستي وأعمل حمالا في محل بنفس  ذلك الشارع الذي فيه عرفت المسيح وفيه أسكن , لقد اضطررت أن أعمل تلك الوظيفة المتعبة في ذلك السن المبكر سعيا وراء لقمة العيش , وهذا يؤسف له لأنني كنت أحب أن أدرس كثيرا , ولكن شكرا لله أنه أعطاني فرصة كافية من التعليم فتعلمت القراءة والكتابة , واستطعت أن أقرأ الكتاب المقدس يوميا , أن أكتب لكم , إن خدمة الفادي هي منتهى أملي , وأشعر أن إرادة الله في حياتي أن أكون مرسلا , لا أعلم إلى أين , فالله لم يقل لي بعد , وحتى ذلك الحين أريد أن أظهر تلك المحبة التي أكنها للفادي , كما أني أريد أن أدعم تلك الرغبة الدفينة الملحة بأن أكون مرسلا بالدراسة , أريد أن أدرس الكتاب المقدس دراسة جيدة لذلك كتبت لكم . فأنا عرفت من صديق لي أنكم مدرسة تدرس الكتاب المقدس بالمراسلة , أيضا عرفت أن تلك الدراسة مجانية , وأنا شغوف بالدراسة , فهل تبعثون إلى شيئا أدرسه ؟! ليكن سفر دانيال , فإعجابي بهذا النبي عظيما , إذ أراه مرسلا إلي الأعداء يعيش وسطهم ويشهد عن إلهه بجراءة وشجاعة حتى استطاع أن يجعل ملك الأعداء الوثني يمجد الرب , لا يبالي الشدائد حتى ولو كانت أسود الحيوانات أو ثعالب البشر . أنا أريد أن أكون مرسلا مثله لذلك أود أن أبدا بدراسة سفرة , فهل يمكن أن أحصل علي هذا الشرف ؟

          أرجو أن ترفعوا صلاة لأجلي

          المحب : بوب فلنت

***

   طويت تلك الرسالة التي أرسلها لي بوب وأنا أبكي , فتلك هي أول رسالة يرسلها بوب إلي مدرستي , كان شوق قلب بوب أن يعمل مرسلا دون أن يعرف إلي أين يذهب ولكن في قلبه نيران التبشير تتوهج بصورة هائلة .

          أخذت أعبث ببقية الرسائل التي تخصه , كلها إجابات في إصحاحات دانيال حتى أنه حصل علي أعلي الدرجات في هذه النبوة الصعبة , وكان هذا يبشر بأنه تلميذ نجيب من جهة الدراسة , ولكن عندما شرعنا أن نرسل له دراسة أخرى أرسل هو رسالة يقول فيها

-    كنت أحب أن أكمل الدراسة ولكني دخلت الجيش , وفي هذه الفترة التجنيد إجباري ونحن مقبلون علي حرب لا نعرف متي ستبدأ ولا متي سوف تنتهي , إننا كجنود لا نهدأ دقيقة واحدة طوال اليوم , سأرسل أخباري أولا بأول وأكمل الدراسة بعد الانتهاء من فترة التجنيد

وقتها اكتفينا بإرسال بعض  النبذ التشجيعية له في معسكره ولكن بعد فترة قصيرة أرسل رسالة يحكي فيها ما يحدث له في الجيش . أخذت أقرأ السطور

" إنني أشعر أنني في مكان مجيد , لقد بدأت العمل كمرسل , تقولون أنه الجيش , نعم , فأنا أشعر كأنني مرسل في الجيش , في هذا المكان الذي يأتي فيه شباب من جميع أنحاء الدولة , عددنا في المعسكر ثمانية عشر شابا من بيئات مختلفة ومشاعر مختلفة من خائف ومضطرب أولا مبال أو تائه يحب الموت لعدم وجود هدف يعيش لأجله أو يائس لعدم حصوله علي عمل أو هوية . تلك المشاعر المتناقضة من شباب هم في مثل سني جعل من فرصتي للشهادة بمحبة الرب متاحة , وها أنا أسعى لتقديم رسالة الإنجيل لهم , صلوا لأجلي ."

والرسالة التالية تقول

" مضت ثمانية أسابيع علي وجودي في الجيش , الجميع يقولون أن الحرب قد اقتربت , لكني أديت رسالتي مع أفراد فرقتي السبعة عشر , لقد انتهيت من الصلاة معهم جميعا , كلهم سلموا حياتهم واختبروا محبة الفادي , وصرنا كنيسة صغيرة داخل المعسكر , تسمع صوت الترنيم والصلاة كل مساء وكثيرا ما ينضمون ألينا بعض أفراد الكتائب الأخرى , أرجو إرسال عدة آلاف من النشرات الخلاصية التي تخبر عن محبة يسوع . ربما أجد الوقت الكافي لاستخدامها .

 كما أرجو تدعيمي بالصلاة"

وطويت تلك الرسالة والتي هي آخر رسالة يرسلها لي ذلك المرسل الصغير بوب والذي لم يتجاوز سنة بضعة أشهر بعد الثامنة عشر ولكن حماسه وغيرته المقدسة كانت قدوة لنا .

          خلعت منظاري كي أمسح عيني التي امتلأت بالدموع , وأيضا شرعت أنظف تلك النظارة التي أصابها ما أصاب عيني , ثم أخذت أطوي الرسائل بعناية فائقة وأضعها داخل الدوسيه الخاص بها , لأضعها من جديد في الأرشيف المخصص للرسائل , رجعت إلي مكتبي وأنا أنظر إلى الجريدة التي بها أخبار الحرب , وتحت عنوان "من طرائف الحرب " أخذت أقرأ .. عنوان غريب وغير مناسب , فهل في الحرب طرائف !! ما علينا , أخذت من جديد أقرأ الخبر الذي هو تحت ذلك العنوان

" طائرة بدلا من أن تسقط القنابل علي أرض الأعداء أسقطت منشورات تدعو إلى المحبة المسيحية أصيبت طائرة حربية فوق ألمانيا النازية الملحدة وانفتح باب الطائرة يتساقط منها الجنود القتلى , ومع هؤلاء الجنود سقطت آلاف الأوراق والمنشورات التي تدعوا إلي المحبة المسيحية والي قبول المسيح ربا علي الحياة وما إلي ذلك من التعبيرات لتملأ بقعة كبيرة من الأراضي الألمانية ويقرأها كثير من الجنود والشعب الألمان .. كما لو كانت رسالة آتية من السماء إليهم , أما جميع من كان في الطائرة فقد قتل وهذه أسماء من قتل في تلك الطائرة ."

وكان من تلك الأسماء التي قرأتها بوب .. مات بوب , ولكن بعد أن حقق هدفه , لقد صار مرسلا , والي من ؟ إلى الأعداء , تماما مثل دانيال آن كان الأسلوب مختلفا , مات الفتي الشاب الحمال الذي شغف بدراسة الكتاب المقدس وأحب يسوع بإخلاص فكان هو نفسه رسالة محبة .

أمسكت بالمقص وأخذت أقص الخبر ومضيت إلى الأرشيف من جديد لأخرج الدوسية الخاص ببوب ووضعت الخبر به وكتبت تلك الملحوظة

" لن يستطيع بوب أن يكمل معنا دراسة الكتاب المقدس , لأنه الآن لم يعد محتاج إلى مثل هذه الدراسة , بالتأكيد هو الآن يعرف ما لا نعرف , وفي حياته القصيرة حقق كل أهدافه ويهنأ بالنجاح .

 

***