|
رَحمَة الله رواية دينية واقعية
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
اللقاء السابع: بَعْث عيسى من بين الأموات ورفعه إلى الله عيسى بين البنوّة و الولادة - مجيء عيسى لثاني
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
اللقاء السابع: بَعْث عيسى من بين الأموات ورفعه إلى الله افتتح الشيخ عبد العليم الشرقاوي اللقاء السابع من حلقات الطلاب الباحثين عن الحق، قائلاً: بعدما توفي عيسى ابن مريم، أو مات، أو قتل، أو صلب، دفن وارتاح في قبره، لأنه قال: «وَالسّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» (سورة مريم 19 : 33). لاحظ الشيخ عبد الله السفياني: لا بد أن دفنه ساهم في إذكاء صراع عنيف في قبره بين ملاك النور وملاك الظلمة. فإبليس أراد أن يخطف نفس وجسد عيسى، لأنه آية الله الذي ينزل عليه العذاب بشكل دائم ومستمر. أجاب أحمد البعمراني: لقد ظهر أن ملائكة الشيطان ضعفاء، لأن عيسى عاش بدون خطيئة، فلو أخطأ لكان للموت وللشيطان سلطانٌ عليه، ولمزقاه إرباً إرباً، لأنّه سبّب لهما أثناء حياته الدنيوية الكثير من الضرر والألم، فهو قد أفلت الفريسة من بين مخالبهما، وأضاع عنهما عدة فرص. استمر الشيخ عبد العليم الشرقاوي: كان عيسى هو روح الله في جسد الإنسان. كان مطيعاً دائماً لله. مجّد قدرته ببيّنات، فأقامه القدير من بين الأموات. هذا الحدث كان مهم في انتصار المسيح بشكل متوال ومستمر، إذ أتم الله كل آياته وأظهر بالفعل أنّ عيسى ليس رسولا سياسيا بل هو روح من الله في هذه الدنيا، ورحمته الدائمة إلى الأبد. سأل الشيخ متولي صابر: ما مغزى إقامة عيسى من بين الأموات؟؟ لا بد من وجود هدف وراء هذا الحدث. قال الشيخ أحمد البعمراني: إنّ قيامة عيسى من بين الأموات تعني أولاً أنّه بار وقدوس وصالح. لو اقترف خطيئة واحدة سواء كانت قولاً أو عملاً أو حتى تفكيراً، لكانت حجة دامغة ضده ولوجد عدو البشر الفرصة السانحة ضده. فقيامته من الأموات برهان على قداسته وطهارته. أضاف التاجر البشير الدمشقي: قيامة عيسى من بين الأموات تشير إلى أن الله قبل كفارة ابن مريم لأجل أحبّائه وأعدائه، فهو ذاته كان الذبح العظيم الذي به افتدي إسماعيل وذريته. وقيامته تبرهن عمل ذبيحته وكفارته الفريدة. أتم الشيخ عبد العليم الشرقاوي قوله: بعث عيسى من الأموات يعني أيضاً أنّه المنتصر الظافر على الموت والشيطان. لم يقدر عدو الله أن يمسك على الفائز أية خطيئة، لأنّ الروح القدس الحال فيه كان أطهر وأقوى وأكثر براءة من كل أرواح الآخرين في حوض الموت. فانتصاره كان غلبة روحية لا شهرة سياسية بواسطة الجيوش والعتاد الحربي والقتل والإغتصاب. قال الشيخ محمد الفيلالي: يصعب علي فهم كلامكم وتفسيراتكم، فمستواكم عال جداً. لكن الشيء الوحيد الذي أعرفه ومتيقن من صحته ولا جدال فيه، هو أنّ عيسى حي ومحمد ميت، فكلما نذكر اسم محمد يجب أن يعقبه: «صلى الله عليه وسلم» فهل محمد مازال في حاجة ماسّة إلى صلواتنا وأدعيتنا، وأنّه لم يصل بعد إلى الفردوس؟؟ أجاب الشيخ أحمد البعمراني: لم يقم محمد بعد من بين الأموات، بل ينتظر في البرزخ إلى يوم الدين، وهو لم يستشهد في الجهاد لذلك نقرأ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» (سورة الاحزاب 33: 56). استمر الشيخ أحمد البعمراني: استنتج من كلامك، أن محمداً لم يصل بعد إلى السماء ولا إلى الفردوس، و إنه مازال ميتاً. هذا حرام، بينما عيسى حي، وقد فتح باب الموت على مصراعيه حتى يدخل كل من يؤمن به إلى الحياة الأبدية مباشرة دون أن تنال منه شوكة الموت. ما أعظم هذه الفرصة!! اغتاظ الشيخ عبد السميع الوهراني: إنما محمد هو خاتم الأنبياء ورسول الله، وسوف يمنحه القدير السلطان حتى يدين كل المسلمين الذين يشكون في قدرته، ولا يسلكون حسب شريعته.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
استمر الشيخ عبد العليم الشرقاوي: لم يُقم الله عيسى من الأموات فحسب، بل رفعه إليه حيا يرزق، فهذا الرفع هو عين الكمال لآية الله. فالله أحيا عيسى الميت ورفعه إلى مجده وكافأ الأمين على أمانته.
أجاب التاجر البشير الدمشقي: قرأت في كتيب بعنوان «فتاوى» -للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية- وقام بجمع هذه الفتاوى وترتيبها الشيخ «صفوت الشوادفي». قرأت في الفتوى رقم (621) بتاريخ 11/7/1397 الهجري كلمات غريبة عن رفع عيسى إلى الله: «وما أكثر آيات الله في عيسى ابن مريم أولاً وآخراً ومقتضى الإضراب في قوله تعالى: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» أن يكون سبحانه وتعالى قد رفع عيسى بطناً وروحاً... إن اسم عيسى حقيقة في الروح والبطن جميعاً... فرفع القدير روحه وبطنه جميعاً بمقتضى كمال عزّة الله وحكمته وتكريمه ونصره... حسب قوله تعالى في ختام الآية: «وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا» قال الشيخ متولي صابر: هل ترينا هذه الفتوى أنّ رفع عيسى إلى الله هو بمثابة تتويج الله لعيسى وكماله. وهل تم هذا الرفع بالجسد والروح والنفس معاً؟؟
أثبت الشيخ أحمد البعمراني: تماماً، لم يصعد عيسى إلى السماء بروحه فحسب، ولا في الحلم كسائر الأنبياء، بل رجع بجسده الروحي إلى أصله. أضاف الشيخ عبد العليم الشرقاوي: نقرأ في القرآن بأنّ عيسى رفع مرتين، في المرة الأولى كلّم الله عيسى قبيل وفاته وقال: «إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» (ال عمران 3: 55). والشاهد الثاني يتعلق بجبريل، إذ أثبت بعد رفع عيسى اكتمال ما وعده به من قبل حيث قال: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا» (النساء 4 : 158). أضاف الشيخ أحمد البعمراني: وجدت في تفسير فخر الدين الرازي كلاماً مهماً في شرحه للآيتين التاليتين: قال الرازي في تفسيره للآية (سورة النساء 4 : 158) «رفع عيسى عليه السلام ثابت في هذه الآية»، وأضاف الرازي في تفسيره لآية أخرى (آل عمران 3: 55) «دلّ ذلك على أن رفعه إليه أعظم من باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من الملذات الجسدية، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادة الروحانية». سأل الشيخ عبد الله السفياني: عظيم، فماذا يعني وعد الله إلى مريم بأن ابنها سيكون أحد المقربين: «إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ» (ال عمران 3: 45). أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: لله قدوس وهو يسكن في النور، ومن المستحيل أن يصدر عنه الظلم أو الجور، ويجب على المتقدم إليه أن يكون خالياً من الخطيئة، وإلا أماتته أشعته الوهاجة الملتهبة. ورفع عيسى إليه لا يعني أنه وَضَعَهُ في مكان أقل منه مستوى، كوضعه في الطبقة الثالثة أو الثانية في السماوات، بل أدخله مباشرة إلى قدسه الطاهر. وبهذا تمكن عيسى من اجتياز الامتحان الأخير، واستحق هذه المكانة لأنه عاش بدون خطيئة، فرجع القدوس إلى القدوس، والطاهر إلى الطاهر، ورجعت الروح إلى مصدرها الأول. أوضح الشيخ أحمد البعمراني: دعا عيسى في إنجيله إلى الهدى والنور. فبعدما رفعه الله إليه وقف أمام مصدر النور الحقيقي والمرشد إلى الهداية والنور، وعندما رفعه الله إليه اختبر بنفسه معنى الهداية الحقة، وبأنه يقف في مصدر النور، فاستنار بذاته. سأل الشيخ محمد الفيلالي: ماذا ينال المقربون من الله؟ إذا كان القرآن يخبرنا بأن لهم الملذات والنعيم وكل ما اشتهت أنفسهم. نجد أن عيسى لم يبال بتاتاً بهذه الملذات الدنيوية أثناء حياته على الأرض، بل عاش في إطار روحي، لم ينغمس في الشهوات الجسدية. فماذا يفعل الآن في السماء يا ترى؟؟ قال التاجر البشير الدمشقي: سمعت من بعض النصارى أنّه لا وجود للنكاح أو الزواج في الفردوس، لأن المقرّبين إلى الله سيكونون مثل الملائكة الذين لا يتزوّجون ولا يزوّجون، فما هي أفراح المقرّبين يا تُرى؟؟ أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: إن المقربين سيعاينون الله وينظرون إلى مجده العظيم المشع أكثر من أشعة الشمس، فقوة أشعته تحيي وتحرق ضمائرهم حتى تنقيها وتجددها لكي يتغيروا إلى صورة الخالق، وكما كتب موسى: «فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللّهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ» (التكوين 1: 27). فهذه الآية تحقّقت في عيسى عندما رفعه الله إليه وقرّبه منه.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
قال الشيخ عبد الله السفياني: قرأنا في المصحف الكريم، بأنّ عيسى سيكون وجيهاً في الدنيا والآخرة، فما معنى هذا اللقب؟؟ أجاب الشيخ أحمد البعمراني: الوجيه هو الرجل ذو السلطة، والكلمة المسموعة المطاعة والمعمول بها من طرف الجميع، كما له الحكمة والقوة والقدرة على ممارسة مخططاته. في بلادنا وأثناء فترة الانتخابات، نجد في الشوارع والأزقة وجوه المرشّحين، وقد كبرت وزيّنت كل أماكن الإعلانات، حتى ينظر إليها الجميع ويتعرّف على أصحابها وعلى مشاريعهم وأفكارهم لكي يختاروا من يستحق أن يدافع عن معاناتهم، وآلامهم وآمالهم. بمعنى آخر يكون عيسى وجيهاً في الآخرة ولا يدخل أحد إلى الفردوس إلا عن طريقه، لأنّ إنجيله يعتبر الشريعة الكاشفة لكل ما هو خداع، ومكر، وحيلة، ومظهر للرياء الساكن في قلوب الناس، كما قال بكل وضوح: «وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ» (ال عمران 3: 49). فلا يبقى أي شيء مستترا أو خفيا أمام عيني عيسى.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
أردف الشيخ عبد العليم الشرقاوي: من المعقول أن يشفع عيسى لأتباعه عند الله ويشملهم بكفارته، إنه الذبح العظيم الذي بواسطته افتديت ذرية إسماعيل، فكفارته لا محالة ستصالحنا مع الله، وتنشئ سلاما دائما مع القدوس. أضاف التاجر البشير الدمشقي: عندما كنت في إفريقيا، سمعت قصة مثيرة بأنّ عيسى أخبر اليهود بما صنعه موسى في البرية، إذ صنع حية نحاسية رفعها على قضيب من خشب، فكان كل من نظر إلى الحية الموضوعة على القضيب لا يموت من لدغة الأفعى السامة. وهكذا قال عن نفسه بأنه سيوضع على الخشبة، وكل من ينظر إليه لا يموت، بل تكون له الحياة الأبدية. قال أحمد البعمراني: ربما أراد عيسى أن يقول من خلال هذا المثل: «قد جمعت في نفسي كل شرور العالم، وعندما أُعلق على خشبة العار سأموت عوضا عنكم، حتى يتبرر كل من يؤمن بي وينال روحي الجديد» فكفارة عيسى هي سبب نوال الحياة الأبدية. ليته ينفخ فينا من روحه الطاهر ويشملنا برحمته. انفجر الشيخ عبد السميع الوهراني كقنبلة مدوية وقال: إنني أتكل على أعمالي الصالحة فقط، فهي التي ستشفع لي لا محالة. ترى ما جدوى كفارة مسيحكم هذا، ان الله القدير له السلطة الكاملة على كل شيء ويعمل ما يشاء. هو يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولا مكان عنده للذبائح والقرابين التي تتكلمون عنها، لأنها لن تجدي نفعا ولن تشفع في شيء. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: يظهر لي أن أخانا لم يدرك بعد حقيقة عيسى الذي هو رحمة الرحمان، المليء بالجود والبركة، لا خداع فيه ولا غش ولا مكر، فحياته تشهد بهذا كله، ألم يخبرنا القرآن عنه: «وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ...» (مريم 19: 31). قال الشيخ محمد الفيلالي: فعلاً لقد برهن عيسى لحوارييه أثناء حياته على الأرض، أنّه مصدر الرحمة والبركة. إنه شفى كل المرضى المتّكلين عليه، وأقام الموتى، وسدّ رمق أتباعه بزاد من السماء. فإن كانت حياته على الأرض الشريرة بهذا القدر من الفضيلة والبركة، كيف بالحري ستكون حياة المتكلين عليه؟؟ هو الآن عند الرزاق القدير. لو تعلمون كم أشتاق للتحدّث معه، حتى يسكب عليّ بركاته المتعدّدة، إنّه المبارك، ومصدر كل البركات المتدفّقة من عند الله، واهب كل الخيرات، والنعم يعطيها لمن يتبعه ويطيع وصاياه حتى يكون من المنعم عليهم.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
قال الشيخ أحمد البعمراني: تذكرت قصة التلاميذ عندما التمسوا من عيسى أن يتوسط لهم عند الله حتى ينزل عليهم مائدة من السماء، وبعد تفكير طويل، وأخذ ورد، لبى مشيئتهم، واستجاب الله له. يظهر من هذا أن لعيسى سلطان الشفاعة الفعلية والكلمة المستجابة عند الله. فإن كانت حياته هكذا على الأرض لابد أنه لا يزال يتمتع بكل الصفات من شفاء وغفران وبركة، ويتوسط لأتباعه عند رب العزة الممتلئ بالمحبة والنعمة، حتى يحظوا بهذا الإمتياز وينالوا هذه البركات، ويحل الروح القدس على أنصاره. قال الشيخ عبد العليم الشرقاوي: يردّد النصارى جملة مثيرة يدّعون بأنّ عيسى ذكرها في إنجيله: «من يسأل يُعطى ومن يطلب يجد ومن يقرع يُفتح له» ليتنا نطلب من عيسى العون والنجاة، النعمة والنور، لأنّ كل من يتب ويؤمن بقدرة عيسى العظيمة يختبر عمله الحي. تدخل الشيخ عبد السميع الوهراني محذرا الجميع: أحذركم من التجديف على الله، وأطلب منكم أن لا تلتمسوا العون من أرواح ميتة، لا ولن تجدي نفعاً. الله كفيلنا، ويخبرنا دائماً أثناء النّداء إلى الصلاة «حي على الصلاة حي على الفلاح» فكل من يدعوه أو يطلبه يهديه ويدخله إلى جنات الخلد خالداً فيها أبداً. قال الشيخ صابر متولي: كلام جميل، لكنني غير مقتنع به، وأشك في أن أعمالي الصالحة تغنيني، من المؤكد أنها لن تفي بالمطلوب أثناء وزنها في يوم الدينونة، كما أنه من المحتمل أن لا تكون صالحة حسب قصد الله الرحمان الرحيم. لذلك لا أخفي عليكم بأنني أرغب في أن يتوسّط لي عيسى عند الله، ويكفّر عنّي، فالآية: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ» (الصافات 37: 107). تجول في ذهني منذ مدّة ولا أكف عن التفكير فيها.
تدخل الشيخ أحمد البعمراني مذكرا إياهم: هل تمعنتم وتدبَّرتم ولو مرة واحدة في الحوار الذي دار بين الله وعيسى في السماء بعدما رفعه سبحانه وتعالى إليه، فعيسى لم يبق بعيداً عن القدير بل وقف معه في نفس المستوى حيث كلّمه ربه بكل لطف، بالرغم من حساسية الحوار الدائر بينهما وأهميته، قال تعالى: «وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ...» (المائدة 5 : 116). تدخل الشيخ عبد السميع الوهراني: أسمعتم تجديف النصارى على الله، فالثالوث عندهم مركّب من الآب والأم والابن. ما أفظع أن تقول عن الله أنّه اتّخذ صاحبة وأنجب منها ولداً، وكل من يتفوّه بهذه الفرية اللَّعينة سيكون مصيره العذاب الأليم. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: معك كل الحق. إنّ عيسى لم ينطق بمثل هذا البهتان، ولا علّم أتباعه هذا الباطل. إنه ضلال، فالكنائس المسيحية كلها ترفض هذا التجديف رفضاً باتاً، كما أنّه لا يوجد ثالوث مكوّن من هذه العناصر، ربما يكون هذا من البدع المسيحية التي تظهر بين الحين والآخر، ودعت إلى هذه الأفكار غير الكتابية. فمن عهد محمد إلى الآن، وكل المسيحيين من مختلف المذاهب ورؤساء هذه الكنائس يرفضون هذا النوع من الثالوث، ولقد صدق محمد عندما هاجم هذا النوع من الثالوث المكون من «الأب والأم والابن» لأنّه بالحقيقة لا وجود له في الدنيا والآخرة. أضاف الشيخ أحمد البعمراني: إن أردتم أن نتكلم عن الثالوث كي ندرك معنى الله وكلمته وروحه، ونتيقّن بأنّهم وحدة فعلية متداخلة تعمل لتنفيذ بيّنات عيسى، أو نتكلم عن وحدة الجوهر التي تجمع بين الرحمة والرحمان الرحيم، فالتكلم عن الثالوث المبني على العلاقة الجنسية بهتان وعار.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
عيسى بين البنوّة و الولادة - مجيء عيسى لثاني قال التاجر البشير الدمشقي: التقيت في أندونسيا بمعلّمة للقرآن، وهي جد مستاءة من برنامج الدروس الواجب عليها اتباعه. إذ كان عليها أن تعلّم الصبيان بأنّ ابن مريم سيرجع ليقتل الدجال، فسألتني مرة بامتعاض: «لِمَ لَمْ يأت محمد أو أحد الملائكة المرسلة من الله حتى يقتل الدجال؟؟ لماذا تمّ اختيار ابن مريم، مع العلم أنّه ليس جبّاراً أو سفّاحاً؟؟».
أجاب الشيخ أحمد البعمراني: حمداً لله أنك أخبرتها بأن عيسى لم يشترك في القتال أو في حمل السيف، إذ أنه غلب شبح الموت وانتصر على تجارب الشيطان. إنه بمثابة محارب روحي جبار له سلطان أن يذيب ويزيل الدجال بنسمة من فيه، ولا يوجد إنسان أو روح آخر باستطاعته أن يقوم بهذه المهمة، لأنه كلمة الله المتجسدة وروح الله العاملة فيه باستمرار. لخص الشيخ عبد العليم الشرقاوي المحاضرة، إذ وجّه سؤالاً إلى الحاضرين، وطلب منهم أن يُقَوِّمُوا هذا اللقاء، ويخبروه ماذا استفاد كل واحد منهم من البحث، وكيف رأوا عظمة عيسى ورحمته الفائقة؟؟ أجاب الشيخ عبد الله السفياني: إني محتار، لأن كل بينة من بينات ابن مريم عظيمة تضاهي مثيلتها، فخلق الطير ونفخ نسمة فيه توضح بأن عيسى قادر أن يحيي المادة الميتة. ثم إن إقامته للموتى تبين مقدرته أن يحيي في أتباعه روح الله وحياته: (انظر: آل عمران 3 : 49 والمائدة 5: 110). قال أستاذ الرياضيات رياض العلمي: تأثرت كثيرا لمحبة ورحمة عيسى للمساكين، إذ لم يهتم بالأغنياء، أو بالأذكياء، أو بالأتقياء، أو بالزعماء في الدرجة الأولى، بل شفى المكفوف منذ ولادته ولمس البرص فطهرهم، اهتم بالجميع دون استثناء، وكل من يصاب بمرض يشفى إذا التجأ إلى عيسى وطلب عونه في الحين. (انظر: آل عمران 3: 49 والمائدة 5: 110). قال الشيخ متولي صابر: من أقام الموتى وعزى أهل الفقيد تعزية حقيقية؟! أليس عيسى ابن مريم، فقوة كلمة عيسى أعظم مما ندرك، إذ ليس باستطاعة أحد إقامة الموتى إلا الله وعيسى. قال الشيخ محمد الفيلالي: حمداً لله الذي أنزل على عيسى مائدة من السماء ليتمكن من إدخال أطعمة الفردوس إلى دنيانا. فأخبره الرزاق أن كل من لا يؤمن بعد هذه الآية بقدرة وسلطان عيسى المسيح سيعذبه بعذاب لن يعذب به إنساناً في الدنيا والآخرة. أنا من المؤمنين بآية التنـزيل لكي لا أنال العذاب الموعود به من الله، بل لا محالة سوف أكون من المشاركين في المائدة السماوية. (انظر: 5: 112–115). قال الشيخ عبد السميع الوهراني: أُحبُّ عيسى لأنه اعترف بأنه عبد الله، وصلى خمس مرات في اليوم، ودفع الزكاة طوال حياته، إنه من المسلمين المخلصين لله منذ ست مئة سنة قبل انبعاث محمد. (مريم 19 :30–31). أضاف التاجر البشير الدمشقي: عمَّ السَّلام على عيسى منذ يوم ولادته بواسطة روح الله، وخيم السلام عليه يوم موته عندما لم يمت لأجل خطاياه الشخصية بل توفي لأجل خطايا البشر. وعمَّ السَّلام أيضاً عندما غلب الموت وترك قبره الفارغ، وصعد إلى الله الذي قبل موته وقيامته من بين الأموات التي هي بمثابة الآية العظمى (مريم 19 :33). أضاف الشيخ أحمد البعمراني: رفع الله عيسى إليه ولم يتركه في إحدى درجات السماء، فالمسيح حي يرزق وليس ميتا كبقية الأنبياء، كما أن نورانية الله الملتهبة لم تنل منه ولم تمته، لأن قداسته مناسبة ومساوية لقداسة الله. إنه يتكلم مع القدير ويشفع بأولئك الذين آمنوا به وبموته وبقيامته ووثقوا بشفاعته. (آل عمران 3: 55 والنساء 4: 158).
لخص الشيخ عبد العليم الشرقاوي ما ذُكِرَ وقال: نرى في ابن مريم آية الله المطابقة والمماثلة له، إنه كلمته وروحه ورحمته، فقوة القدير ومشيئته تعمل فيه بشكل مستمر. وبما انه يعيش مع الله ويحق لنا أن نتبعه أينما حل حتى في السماء. إنه حي إلى الأبد ويريد أن يبث روح حياته الأبدية فينا. هو قمة الآيات، لأن مقاصد الله تجتمع في إنسانية عيسى وتظهر جليا لمن يرغب في إدراكه. لقد أعد رحمة الرحمان عيسى ليكون الذبيحة التي تشفع للناس أمام الله، وتعطي الرجاء بالحياة الأبدية مع الله لكل من يتبعه ويقتفي أثره. (مريم 19: 21 والنساء 4: 71 والمائدة 5: 11).
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
|