|
رَحمَة الله رواية دينية واقعية
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
اللقاء الخامس: أخلاق عيسى ابن مريم وصفاته
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
اللقاء الخامس: أخلاق عيسى ابن مريم وصفاته افتتح الشيخ أحمد البعمراني اللقاء بسؤال: إلى الآن لم أفهم حقاً من هو عيسى ابن مريم. يخبرنا القرآن أنه روح من الله وإنسان في الوقت نفسه، أيَّده القدير بآيات مدهشة وسماه بأسماء وألقاب بارزة: «آية للناس ورحمة منا». فالشيء الذي يحيرني وأتمنى منكم أن تجيبوني عنه: كيف كانت حياة عيسى العملية، كيف استطاع أن يوفق بين روحانيته الإلهية وإنسانيته في سيرته الدنيوية؟؟
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
قال الشيخ متولي صابر: أثّرت فيّ تلك الآية التي يُعَرِّف فيها عيسى عن نفسه قائلاً: «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي...» (مريم 19 :55). فمن هو البار يا ترى؟؟ أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: لكلمة «بار» معان متعدّدة، فالبَر (بالفتحة) تعني الأرض اليابسة، أما البُر (بالضمة) فهو القمح، والبِر (بالكسرة) هو التقوى الصادرة من التبرير الإلهي. فالشخص البار هو الذي تتوفر فيه كل هذه المعاني السالف ذكرها، لذلك كان عيسى تقياً ومستقيماً... ممتلئاً بالجود والمواهب التي منحه إياها الخالق. تدخّل الشيخ عبد الله السفياني: إذا، إنّه ساعد أمّه واعتنى بها وعزَّاها ودافع عنها، فعيسى لم يُقلّل من احترامه وعنايته لوالدته، بل أكرمها وشكرها ومارس كل ما يجب على الإنسان أن يمارسه حتى ينال رضى الله والوالدين. هو حَمى أمه التي اتهمت في شرفها وتلقّت تهديدات واتهامات متعدّدة.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
قال الشيخ أحمد البعمراني: من يقرأ الآية بأكملها، يجد سلسلة من الصفات الخلقية التي امتاز بها عيسى: «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا» (مريم 19 : 32). قال الشيخ محمد الفيلالي: لم يكن عيسى جباراً أو فظّ القلب، ولا كان قهاراً منتقماً، بل عاش هادئاً لطيفاً حليماً وديعاً. لقد وضع إرادته تحت مشيئة الله، إنه لم يقصد أن يغلب العالم بقوته الذاتية وحكمته، بل اتّبع خطّة وقصد ربه، عالماً أنّه خير الراشدين. تابع الشيخ أحمد البعمراني قائلاً: سمعت من النصارى بأنّ عيسى أعلن في إنجيله: «تعلّموا مني لأنّي وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم». لقد كان خاليا من الأبهة فحرّر أتباعه من العجرفة، وأصبح ينبوعاً من التواضع واللطف والجود. لهذا نجد أنّ أكثر أتباعه ليسوا مستكبرين، كما يخبرنا القرآن بذلك.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
لاحظ الشيخ متولي صابر: قرأنا عدّة مرات أثناء لقاءاتنا، أنّ عيسى شفى بكلمته المرضى بدون أي مقابل، فهو تحنّن على المساكين والمعوزين، وتفقّد المرضى ولم يتخل عن المحتقرين والمنبوذين، بل منحهم وقته وحياته لكي يخرجهم من ضيقهم ويفَرِّج كربتهم، فمحبته كانت الدافع لشفائهم. أضاف الشيخ محمد الفيلالي: أعرف عدّة مرضى يقصدون النصارى كي يحصلوا منهم على الشفاء، راجين منهم أن يطلبوا من عيسى الذي هو حي عند الله أن يشفع لهم ويبرئهم، إنهم يؤمنون بقدرته ورحمته وشفاعته. أما النصارى فيجيبونهم: «لا نقدر أن نطلب الشفاعة لأجلكم إن لم تؤمنوا بالشافي إيماناً ثابتاً، لأنّ الإيمان به هو بمثابة همزة الوصل بينكم وبينه»، يجيبهم البعض: «نؤمن بعيسى أنّه ابن مريم وكلمة الله وروحٌ منه» عندئذ يتوجّه النصارى بالصلاة إلى عيسى بلجاجة وإخلاص مرات عديدة، إلى أن نال بعضهم الشفاء العجيب. تدخّل الشيخ عبد السميع الوهراني غاضباً: يستطيع السَّحرة أن يشفوا المرضى أيضاً ويسلطوا شياطينهم على المشركين، خاصة في مثل هذه الجلسات التي يلتمس فيها الشخص الشفاء من أرواح الأموات. فمثل هذه الأعمال مرفوضة عند الله تعالى لأنّها تقود إلى الشر والنجاسة. احترسوا أن لا تنغمسوا في مثل هذه الأعمال الشريرة حتى لا تلبسكم الأرواح. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: الحق معك، فكل من يلتمس أرواح الموتى أو الجن أو يلتجئ إلى العرافات يصبح مسكوناً ومقيداً بهم، فالله يمنع بتاتاً كل اتصال بالأرواح، لكن عيسى المسيح ليس روحاً من الأرواح النجسة وليس من الجن، لأنّه كان عند الله قبل ولادته وأتى إلينا ثم عاد إلى مصدره الأول، إنه جزء من روح الله الأزلية، وكل من يتصل به ينال منه روح اللطف والتواضع والوداعة والرحمة ..
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
أضاف الشيخ أحمد البعمراني: هل فكرت مرة وأدركت أنّ الروح في الرؤيا التي رأيتها في تلك الليلة قالت: «آية للناس ورحمة منا» فالله هو الرحمان الرحيم، وعيسى المسيح هو رحمته. هذا يعني أنّ ابن مريم هو جوهر من الله، فهما يقتسمان الرحمة نفسها، ويجوز القول أنّ الله هو الرحمان، والروح القدس هو الرحيم، وعيسى المسيح هو الرحمة. هذه الثَّلاثة تكون واحداً في الجوهر. لم يحتمل الشيخ عبد السميع الوهراني ما سمع فانفجر غاضباً: أوقفوا خزعبلاتكم وتخيلاتكم عن وحدة الثالوث، ومحاولاتكم لتوحيد ثلاثة في واحد، فالثلاثة دائماً ثلاثة والواحد يبقى واحداً، ولا يمكن بل من المستحيل أن يساوي الثلاثة واحداً. ابتسم الشيخ متولي صابر قائلاً: تعقّل يا أخي، العالم كله مليء بـ: 3 = 1 (1 يساوي 3)، أنت عندك جسد ونفس وروح، وهذه الثلاثة تشير إلى شخص واحد وليس إلى ثلاثة أشخاص، وكذلك بالنسبة إلى البيضة فهي تحتوي على القشرة وعلى البياض والمح الأصفر، وهذه العناصر الثلاثة تُكوِّن بيضة واحدة. كذلك لا تنس التكوين الكيميائي للماء الذي يتركب من ذرتي الهيدروجين، وذرة الأكسجين التي تكوِّن جزئي الماء، ولا يمكن الفصل بينهما، ولو حصل وفصلنا بينهما لانْعَدم عنصر الماء. أضاف الشيخ محمد الفيلالي: الشَّمس بعيدة عنّا جدًّا، غير أنّ أشعتها تصل إلينا وتسبّب حرارة. كل هذه الأشياء «الشمس» و«الأشعة» و«الحرارة» هي واحدة. ونفس الشيء يتكرّر بالنسبة للمولد الكهربائي الذي يصدر التيار فيولد نوراً وتبريداً أثناء حركته وسرعته. كل واحدة من هذه الحقائق الثلاثة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً وكاملاً. وجّه أستاذ الرياضيات رياض العلمي قوله إلى الشيخ عبد السميع الوهراني، فأجابه: الحق معك، فالثلاثة ليسوا واحدًا. إن قمت بعملية الجمع 1+1+1 يساوي مجموعها ثلاثة، ولكن إن قمت بعملية الضرب 1r1r1 فالنتيجة تساوي واحداً فقط وليس ثلاثة، فالجمع يؤدي إلى الثلاثة دائماً ولكن الضرب يوصل إلى التوحيد... زوجتك التي في المطبخ حين تقوم بخلط الطحين والملح والماء وتمزج بعضهم مع بعض حتى يصيروا عجينا واحداً إذ تعجنه حتى تجعل منه خبزاً جاهزاً. فحياتنا اليومية، وكذلك الرياضيات توضّح لنا بأنّ ثلاثة بإمكانها أن تساوي واحداً. أجاب الشيخ عبد السميع الوهراني ووجهه تغشاه العبوسة: ليس المسيح بالرَّحمة الوحيدة من الله، بل نبيّنا محمد هو أيضاً رحمة من الله للعالمين: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء 21: 107). ولا يجوز القول أيضاً بأنّ محمداً اشترك في الثالوث. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: هل أدركتم كيف ظهرت رحمة الله في سيرة محمد؟؟ قد أتى بالقرآن الذي يحوي الشريعة المكوّنة من عبادات، ومعاملات، وعقوبات. وقد ورد فيه أنّ الدَّين والدَّولة جزءان لا يتجزّأ بعضهما عن البعض، مما يتطلّب الزكاة، والضرائب، والجهاد إذا لزم الأمر. أمّا رحمة الله في عيسى فتختلف اختلافاً جذرياً، إذ أتى بالشفاء والتعزية والسرور لكل من يقبله، كما حلَّل ما قد حرّمه موسى من قبل، فأعطى وصية جديدة لأتباعه، وسدّ عوز واحتياجات أتباعه. فرحمة الله في محمد تبلورت من خلال الشريعة. غير أنّ رحمة الرحيم في عيسى منحت لأتباعه الروح القدس الشافي والمعزي، والجاعل الرحمة في قلوب المؤمنين به. .فهناك فرق شاسع بين الإثنين.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
أضاف الشيخ أحمد البعمراني: لم أقرأ مرّة واحدة أنّ عيسى طلب من حوارييه مالاً ولا زكاةً ولا صدقةً، ولم يتاجر بآيات الله لا بثمن قليل ولا كثير، فكان هو بذاته وحي الله المتجسّد، وعلم أنّ كلمة الله لا تقدر بثمن. كذلك أتباعه عملوا على تقديم آيات الإنجيل بدون مقابل، إذ نقرأ في القرآن: «وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ» (آل عمران 3: 199). قال الشيخ عبد الله السفياني: في إحدى المرات عندما كنت أحاسب بعض النصارى في السوق، وأثناء حديثنا قال أحدهم: «ليس أحد يقدر أن يخدم الله والمال، فإمّا أن يبغض الواحد ويحبّ الآخر وإمّا يلازم الأوّل ويترك الثاني». خجلت من كلام البائع، لأنّي تشاجرت معه وخاصمته من أجل دراهم معدودة.
أضاف الشيخ عبد العليم الشرقاوي: يتضح لي أنّ المسيح عيسى لم يتمسّك بالكنوز الدنيوية، لأنّه كان روحاً من الله، وأدرك أنّ كل الأشياء الدنيوية فانية. لذلك كانت روحه متّجهة نحو الله الذي يرزق بسخاء وبدون حساب كل من اتّكل عليه. فما كان عيسى جابياً، ولا تاجراً، بل خادماً في رحمة الله.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
أضاف الشيخ أحمد البعمراني: في إحدى المرات، عندما كنت أُلزم الصبيان في الكُتَّاب على حفظ سور من القرآن، أوقفتني آية من آياته تقول: «إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا» (مريم 19: 19). فتمنّيت أن أعرف أكثر عن المعاني المختلفة لكلمة «زكي» وخاصّة بالنسبة لعيسى، فبحثت في كتب التفسير ووجدت في كتاب العلامة «الطبري» أنّ «الزكي» يعني الطاهر من الذنوب، وأثبت البيضاوي هذا القول وأضاف: «طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير، ومترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح».
أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: علّق عدّة علماء في كتب متنوعة على هذا السؤال، قال أبو هريرة عن رسول الله: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلاّ ابن مريم وأمه». وقال أيضاً أبو هريرة عن رسول الله: «كلّ بني آدم يطعنه الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعنه في الحجاب». قام الشيخ عبد السميع الوهراني ثائرا: هذا حديث جميل ومعقول، لكن ليس عيسى ابن مريم بالزكي الوحيد، فمحمد أيضاً من الصالحين المنعم عليهم، وهو قمّة الطهارة والإستقامة. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: إنّنا لم نقل عكس ذلك. أتى محمد بحضارة جديدة، وغيّر صورة العرب من الهمجية نحو النظام حسب قدرته. فسُنَّة النبي هي المصدر الثاني للشريعة، وكل من لا يقتدي بسُنَّته وأعماله يكون قد خالف شريعته، وتخلّى عن مصدر مهمّ من مصادر الشريعة الإسلامية، وبالتالي يكون من الكافرين. لكن لا ننسى أنّ الله فرض على محمد أن يستغفر أربع مرات، وذلك حتى يمحو خطاياه. إذ نقرأ في القرآن: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ» (محمد 47: 19). ونقرأ أيضاً في القرآن: «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ» (غافر 40: 55). «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ» (الفتح 48: 1-2). «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا» ( النصر 110 : 3). كلّ من يقرأ هذه الآيات بتمعّن، يدرك أنّ محمداً أصبح من الصالحين بعدما غفر له الله ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. بينما كان عيسى ابن مريم صالحاً منذ ولادته، ولم يكن في حاجة إلى مغفرة لخطاياه، إذ عاش بدون خطية لأنّ روح الله كان حالاًّ في جسده. أضاف الشيخ أحمد البعمراني: لقد قرأت تفسيراً غريباً عند «القيساني» في شرحه لنصوص الحكم: «الله خاصّة طهّر جسم عيسى من الأقذار الطبيعية، فهو روح متجسّد في بطن مثالي روحاني... ونزّه روحه وقدّسه من التأثر بالهيئات الطبيعية والصفات البدنية، لتأييده بالروح القدس الذي هو على صورته». قال الشيخ محمد الفيلالي:\ نجد في القرآن إثباتات أخرى لتحرّر عيسى من الذنوب، لقد رفعه الله إلى نفسه، ولو أخطأ عيسى ابن مريم لبقي في البرزخ كسائر الأنبياء ينتظر يوم الحساب. إن الله رفعه إليه لأنّه لم يجد فيه آثاماً أو نجاسةً أو مانعاً لتقريبه إلى ذاته (آل عمران 3: 55 والنساء 4: 158).
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
قال الشيخ عبد العليم الشرقاوي: بحثنا في اللقاء الأخير أنّ عيسى أقام الموتى. ربما ارتبط عمله هذا بطهارته وقداسته، فلو كان مرتكباً للخطيئة في حياته لما كان للموت أن يطيعه ويستجيب لقوته. أمّا الآن قد أتى الطاهر من القدوس وغلب عدوّ البشرية، إذ أخذ الفريسة من فم الشيطان العدوّ الأوّل والأخير. قال الشيخ عبد الله السفياني: لقد وجدت في القرآن آيةً تصبّ في هذا الموضوع: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا...» (المائدة 5: 32). لم يحي عيسى نفساً واحدةً وحسب، بل أقام ثلاثة أنفس على الأقل. وكما سمعنا أقام بنتاً ثم شاباً ثم شخصاً بالغاً من موتهم،ومن خلال هذه الآيات يتضح لنا أنّ عيسى المسيح أحيا الجميع ثلاث مرات. أضاف الشيخ أحمد البعمراني: إنّ الآية القرآنية التي استشهدنا بها تدلّ على مسألة شرعية: كلّ من قتل شخصاً (بريئـاً) بغير حق كأنّه قتل جميع الناس بغير حق في كل البلدان، غير أنّ من أحيا أو أنجى بريئاً من موت محتوم ومحقّق فقد ربح نفساً ونال جزاءً وإكراماً من كلّ الناس. أوضح الشيخ عبد العليم الشرقاوي: يحق لنا أن نقول أنّ عيسى أحيا جميع الناس من الموت لأنّه واهب الحياة، إذ رأينا في قصة خلق الطير أنّه نفخ فيه من روحه، فطار بعدما بعث فيه الحياة من جديد، وعندما أقام الموتى فقد انتصر حقاًّ على الموت لأنّ من يقيم واحداً باستطاعته أن يقيم الجميع، لأنّه قد انتصر على مصدر الشر مبدئياً، وأصبح من الهيّن والسهل عليه أن يقوم بأي عمل يماثله، فالمسيح أظهر حياة جديدة في نور الله.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
ذكر الشيخ أحمد البعمراني: حفظت كل آيات القرآن عن ظهر قلب، لكني لم أجد دليلاً واحداً على أنّ عيسى المسيح كان متزوّجاً. لهذا نجد أن بعضاً من أنصاره قد اقتدوا به مفضّلين العزوبيّة، فكيف كبت هؤلاء الرجال الشهوة الجنسية التي منحهم إياها الله؟؟ أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: إن كان روح الله الذي في عيسى قادراً على إقامة وإحياء الموتى، فهل يصعب عليه أن يكبح الشهوة الجنسية التي فيه؟ تتذكّرون أنّ بعض الطرق الإسلامية وخاصّة الصوفية منها تمارس الزّهد والتقشّف حتى تفوز بالنعيم المنشود. فكم بالحري عيسى ابن مريم الطاهر المولود من روح الله. سأل الشيخ عبد السميع الوهراني: أتعتقد بأن عيسى كان رافضاً للنساء ومعرضاً عنهن؟ سمعت في إحدى الإذاعات قصّة غريبة عن عيسى، فقد أحضر إليه الأصوليون من اليهود زانية وألحّوا عليه أن يحكم عليها، وأن يدين عملها المشين. غير أنّ عيسى تباطأ في إصدار الحكم، ومع إلحاحهم المتواصل قال لهم: «الذي بينكم بلا خطية فليرجمها أولا»؟ وبعد وقت وجيز انسحب الجمع لأنّ ضمائرهم أنَّبتهم، فأدركوا أنّ ليس بينهم ولا واحد أفضل من الزانية. أمّا عيسى فرفع بصره نحوها وطلب منها أن لا تخطئ في ما بعد، وسمح لها بالانصراف. قال الشيخ أحمد البعمراني: أخبرني بعض النصارى أنّ عيسى بارك الزواج عدّة مرّات، وطلب من الرجل المتزوّج أن يكون زوجاً لامرأة واحدة فقط، لأنّه من المستحيل أن يحبّ المرء أكثر من امرأة بالمحبّة نفسها. فـثـبت عيسى الزواج بامرأة واحدة وبارك الأولاد، غير أنه لم يعط الأهمية الكبرى للأمور الجنسية، بل ربّى أتباعه على الحياة الروحية، وضبط النفس بقوة روحه الطاهرة. سأل الشيخ عبد الله السفياني: سمعت أنّه كان للنبي سليمان ألف امرأة بل أكثر من ذلك، كما أنّ داود المرنّم أمر بقتل زوج امرأة أُغرم بها حتى تحلّ له. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: معظم النساء اللواتي تزوّج بهن سليمان أحضرن معهن آلهتهن وأصنامهن إلى الأمّة اليهودية، فأصبحت الحضارة عبارة عن خليط ممزوج بين التوحيد والشرك. عند ذلك أنزل الله غضبه على الجميع. أمّا داود صاحب الزبور فقد أذلّه الله وسحقه حتى أدرك ذنبه ومعصيته. وقرأت أيضاً في بعض الكتب، أنّ داود بعد ارتكابه للخطيئة، توجّه إلى ربّه صارخاً متضرّعاً إليه: «قـلباً نقياً اخلق فيَّ يا الله وروحاً مستقيماً جدّد في داخلي لا تطرحني من قدّام وجهك وروحك القدّوس لا تنـزعه منّي» (مزمور 51: 10،11).
يخطئ الكثيرون مثل داود وسليمان، لكن القليلون منهم يتوبون توبة نصوحة مثلهم. فالله منح لصاحب الزبور قلباً نقياً بعد توبة مصحوبة بالدموع والصراخ النابعة من القلب. دعونا نسأل أنفسنا كيف هي حالة قلوبنا وأفكارنا، هل هي نقية طاهرة أم تزخر ببقع نجسة سوداء تحجب عنها نور الله؟؟ أضاف الشيخ أحمد البعمراني: لا أجد بين أتباع عيسى فكرة الطلاق، إذ يعمّ -غالباً -بين المتزوجين وئام وانسجام تام، فقدوة معلمهم وتعليمه أثّرت فيهم وفي أخلاقهم كما حلّت فيهم فضائله وامتيازاته.
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
ذكر الشيخ متولي صابر: اعترف عيسى بعد ولادته مباشرة بأنّه صاحب السلام، إذ نجد في القرآن: «وَالسّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» (مريم 19 :33). فالطفل المولود حديثاً وَصف بجملة واحدة سيرة حياته، إنها بلاغة مميزة. أوضح الشيخ أحمد البعمراني: قصد عيسى بشهادته أن يوضّح بأنّ ولادته من مريم العذراء كانت ولادة شرعية ومنسجمة مع إرادة الله، فسلام الرحمان خيّم على الاثنين. لقد تمت هذه الولادة حسب إرادة الله، ولم تكن مريم بغياً بل أمة ربها، وتجسّد في ابنها روح الله، لذلك عمّ سلام الله على دنيانا، ليس فقط لوقت محدّد أو معيّن بل على الدوام. برر عيسى أمّه وأبعد عنها التّهم الموجّهة إليها بهذه الشهادة المبنية على كلمة: «السلام عليَّ». قال الشيخ محمد الفيلالي: أليست كلمة «الإسلام» مشتقّة من السَّلام؟ إن كل مسلم مدعو أن يكون من صانعي السَّلام، وقد تحقّق هذا المبدأ في عيسى، لأنّه لم يشترك ولا مرّة في غزو أو حرب، لم يدع أتباعه ولا مرّة واحدة للقتال أو البطش، إنه رئيس السَّلام والمسلم الفريد الذي يصنع السَّلام.
حرَّك الشيخ عبد السميع الوهراني شفتيه متمتماً بصوت خافت ثم قال: إنكم تتوهّمون وتحجبون الشمس بالغربال. اقرأوا كتب التاريخ وشاهدوا التلفزيون كي تتيّقنوا كيف يقاتل النصارى بعضهم البعض وغيرهم من الأمم، إذ يعيثون في الأرض فساداً وإلى سفك دماء الملايين من الأبرياء. أجاب الشيخ عبد العليم الشرقاوي: للأسف الحق معك، لكنّ الذنب لا يقع على عيسى إذا كان أتباعه لم يحفظوا وصاياه ولم يلتزموا بأوامره.لم يقصد عيسى إنشاء مملكة سياسية ذات حدود جغرافية على هذه الأرض، بل رغب في تكوين مملكة روحية شاملة، لذلك أوصى تلاميذه: «أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم». فأتى عيسى بصلح عظيم ووضع اللبنة الأساسية لهذا السلام الدائم، غير أنّ الأشرار لا يريدون السلام، ولا يسعون لتحقيقه. أضاف الشيخ أحمد البعمراني: لم يحث عيسى أتباعه على شراء الأسلحة الفتاكة، ولم يحرّضهم على القتال، وتعلّم فنون الحرب، وفتح البطون، وقتل الأبرياء العزّل، واغتصاب كل من يجدونه في طريقهم بدعوى الغنيمة، بل طلب منهم أن يغفروا دائماً ذنوب الذين أخطأوا إليهم كما غفر الله إليهم ذنوبهم من قبل. لهذا السبب احتمل المخلصون منهم الهوان والاستهزاء والضرب والجلد والرجم، لا لسبب إلا أنّ معلّمهم علّمهم وأمرهم أن ينكروا أنفسهم، ويصالحوا جميع الناس إن أمكن. لكن للأسف قليلون منهم يطيعون دعوته، ويعتبرون أنفسهم نصارى، غير أنّهم لا يمتّون إلى عيسى ولا إلى النصرانية بأية صلة، بل هو بريء منهم ومن نصرانيتهم. لخّص الشيخ عبد العليم الشرقاوي اللقاء قائلاً: إن روح الله جعل عيسى باراً بأمّه وبكلّ الناس، فعاش وديعاً متواضع القلب. لم يطلب الجلال والعزّة، بل أحبّ المساكين وجالسهم، شفى المرضى واهتم بحوارييه، وما كان ابن مريم طمّاعاً ولا حسوداً، لأنّه ولد بدون خطيئة أو دنس، ونال من الله السلطان والنصرة على الموت، ناشراً الحياة والسلام والطمأنينة. .فأثبت أنّه آية الله للناس، ومن يتبعه يصبح رحيماً ورؤوفاً، لأنّ رحمة الرحمان حلَّت فيه
فهرس هذا الجزء - أجزاء الكتاب - مقديسيات
|