( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّم قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا ظَاهِرُهُ
مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهَا اخْتَصَّتْ بِقَتْلِهَا إمَّا بِأَنْ
تَكُونَ بَاشَرَتْ ذَلِكَ أَوْ أَمَرَتْ بِهِ مَنْ أَطَاعَهَا , وَقَدْ
رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ أَمَرَتْ حَفْصَةُ فِي
جَارِيَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا أَنْ تُقْتَلَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ
يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى مَنْ لَهُ
النَّظَرُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ , وَأَثْبَتَتْ
عِنْدَهُ مَا أَوْجَبَ ذَلِكَ فَنُسِبَ الْقَتْلُ إلَيْهَا لَمَّا
كَانَتْ سَبَبَهُ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ
مِنْ الْأُمَرَاءِ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ , وَمُبَاشَرَتِهِ
إلَيْهَا فَبَاشَرَتْهُ أَوْ أَمَرَتْ بِهِ مَنْ نَابَ عَنْهَا هَذَا
مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا
أُفْرِدَتْ بِذَلِكَ دُونَ أَمِيرٍ وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ بِهِ . وَقَدْ
رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ سَحَرَتْ
حَفْصَةَ فَوَجَدُوا سِحْرَهَا فَاعْتَرَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا
فَأَمَرَتْ حَفْصَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ
فَقَتَلَهَا فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ
فَأَنْكَرَهُ فَأَتَاهُ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ إنَّهَا سَحَرَتْهَا
وَوَجَدُوا مَعَهَا سِحْرَهَا فَاعْتَرَفَتْ عَلَى نَفْسِهَا فَكَانَ
عُثْمَانُ أَنْكَرَ عَلَيْهَا مَا فَعَلَتْ دُونَ السُّلْطَانِ
فَالسَّاحِرُ وَإِنْ كَانَ يَجِبُ قَتْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَلِي ذَلِكَ
إِلَّا السُّلْطَانُ , وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ الْعَبْدِ أَوْ
الْمُكَاتَبِ يَسْحَرُ سَيِّدَهُ يُقْتَلُ , وَيَلِي ذَلِكَ
السُّلْطَانُ قَالَ أَصْبَغُ وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ
قَتْلُهُ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَتْلٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى
يَجِبُ عَلَى مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ فَلَا يَلِي ذَلِكَ إِلَّا
الْإِمَامُ أَوْ حُكْمُهُ كَقَتْلِ الزِّنْدِيقِ . ( مَسْأَلَةٌ
) وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ مَا يَفْعَلَهُ مِنْ السِّحْرِ
الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ قَالَ أَصْبَغُ يَكْشِفُ
ذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ يُرِيدُ , وَيُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَ
الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَتْلُ فَلَا يُحْكَمُ
بِهِ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَتَحْقِيقِهِ كَسَائِرِ مَا يَجِبُ لَهُ
الْقَتْلُ , وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ
الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السَّكَاكِينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إِنْ كَانَ
هَذَا سِحْرًا قُتِلَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ السِّحْرِ فَلَا
يُقْتَلُ . ( مَسْأَلَةٌ ) وَمَنْ قَتَلَ السَّاحِرَ فَقَدْ
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إِنَّ
السَّاحِرَ كَافِرٌ بِاللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا سَحَرَ هُوَ فِي
نَفْسِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ بَاشَرَ ذَلِكَ قَالَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ
قَالَ وَالسِّحْرُ كُفْرٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُعَلِّمَانِ
مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ,
وَبِهِ قَالَتْ حَفْصَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ
الْعَزِيزِ وَابْنُ شِهَابٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ,
وَوَجْهُهُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى مِنْ
أَنَّهُ كُفْرٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ , وَهُوَ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي
لَا يُقَرُّ أَحَدٌ عَلَيْهِ , وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَقَدَّمَهُ
إسْلَامٌ فَالْكَافِرُ بِهِ مُرْتَدٌّ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُوصَفَ
السَّاحِرُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ بِمَعْنَى أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا دَلِيلٌ
عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ الْجَحْدُ لِلْبَارِئِ تَعَالَى ,
وَكَمَا لَوْ أَخْبَرَنَا نَبِيٌّ صَادِقٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ
كَذَا إِلَّا كَافِرٌ , ثُمَّ رَأَيْنَا رَجُلًا دَخَلَهَا لَحَكَمْنَا
بِكُفْرِهِ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دُخُولُهُ الدَّارَ كُفْرًا ,
وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى كُفْرِهِ , وَإِنْ أَخْبَرَ هُوَ
عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ مُؤْمِنٌ عَلِمْنَا كَذِبَهُ ; لِأَنَّ
الصَّادِقَ أَخْبَرَنَا عَنْهُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ . ( مَسْأَلَةٌ
) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ عَمِلَ السِّحْرَ قُتِلَ فَإِنْ كَانَ
مُسْلِمًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ
مَالِكٍ يَقْتُلُ سَاحِرٌ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا قَالَ مَالِكٌ
يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ , وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ
وَأَصْبَغُ هُوَ كَالزِّنْدِيقِ , وَمَنْ كَانَ لِلسِّحْرِ أَوْ
لِلزَّنْدَقَةِ مُظْهِرًا اُسْتُتِيبَ فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ قَالَ
ابْنُ الْمَوَّازِ السِّحْرُ كُفْرٌ فَمَنْ أَسَرَّهُ , وَظَهَرَ
عَلَيْهِ قُتِلَ , وَإِنْ أَظْهَرَهُ فَكَمَنْ أَظْهَرَ كُفْرَهُ ,
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ , وَإِنْ
تَابَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ , وَحَمَلَ
ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ , وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ
عِلْمَهُ كُفْرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
إِلَى قَوْلِهِ فَلَا تَكْفُرْ أَيْ بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ فَتَقَرَّرَ
مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا حَكَيَاهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ
وَأَصْبَغَ وَابْنِ الْمَوَّازِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَوْ
تَأَوَّلَا عَلَيْهِ غَيْرَ مَا تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ
. ( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ إِنْ
كَانَ لِسِحْرِهِ مُظْهِرًا فَقُتِلَ حِينَ لَمْ يَتُبْ فَمَالُهُ فِي
بَيْتِ الْمَالِ , وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , وَإِنْ اسْتَتَرَ
بِسِحْرِهِ فَمَالُهُ بَعْدَ الْقَتْلِ لِوَرَثَتِهِ مِنْ
الْمُسْلِمِينَ , وَلَا آمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ
فَعَلُوا فَهُمْ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ كَانَ
السَّاحِرُ ذِمِّيًّا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَ
سِحْرَهُ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ
فَيُقْتَلُ نَقْضًا لِلْعَهْدِ , وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ تَوْبَةٌ
غَيْرُ الْإِسْلَامِ , وَأَمَّا إِنْ سَحَرَ أَهْلَ مِلَّتِهِ
فَلْيُؤَدَّبْ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا فَيُقْتَلَ بِهِ , وَقَالَ
سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي السَّاحِرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ
يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ فَيُتْرَكَ كَمَنْ سَبَّ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَظَاهِرُ قَوْلِ سَحْنُونٍ إنَّهُ
يُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ بِخِلَافِ قَوْلِ
مَالِكٍ لَا يُقْتَلُ إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا أَوْ يَقْتُلَ
ذِمِّيًّا , وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ شِهَابٍ
مِنْ أَنَّ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيَّ سَحَرَ النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَلَمْ يَقْتُلْهُ , وَلِأَنَّ
الْيَهُودِيَّ كَافِرٌ فَإِنْ كَانَ السِّحْرُ دَلِيلًا عَلَى
الْكُفْرِ فَإِنَّمَا يَدُلُّ مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِيِّ عَلَى مَا
هُوَ مَعْلُومٌ , وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ نَاقِضٌ
لِلْعَهْدِ , وَمُنْتَقِلٌ إِلَى كُفْرٍ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ , وَقَدْ
قَالَ أَشْهَبُ فِي الْيَهُودِيِّ يَتَنَبَّأُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ
مُعْلِنًا بِهِ اُسْتُتِيبَ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَابَ ,
وَإِلَّا قُتِلَ . ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ
يُبَاشِرُ عَمَلَ السِّحْرِ , وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى مَنْ
يَعْمَلُهُ لَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا ,
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ
مِنْهُ الْعَمَلُ فَلِذَلِكَ لَا يُقْتَلُ , وَلَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ
الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ ; لِأَنَّهُ آثَرَ الْكُفْرَ , وَرَغِبَ
إِلَى مَنْ يَأْتِيهِ , وَيَفْعَلُ مَا يَقْتَضِيهِ . (
مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ
إِنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً , وَقَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي
مَعُونَتِهِ , وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
فَجَعَلَهُمْ كُفَّارًا بِتَعْلِيمِهِ فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً ,
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ
عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ سُحِرَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ
إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ , وَأَنَّ
لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ سَحَرَهُ فِي مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ فِي جُفِّ
طَلْعَةِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ , وَجَعَلَهُ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ
ذَرْوَانَ , وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم
اسْتَخْرَجَهُ , وَعَافَاهُ اللَّهُ .
|