Web Counter
English Guestbook Contact us راسلنا سجل الزوار ندوة وأراء روابط إختبارات ترانيم الكتاب المقدس دراسات كتب عربى
 
 

 

من أفراح الأرض لأفراح السماء

 

يبحث عني .. بدون يأس أو ملل

وعندما يجدني

تنبعث الأفراح .. وصوت الملائكة تهلل

أما هو  فينزع عني بؤسي وشقائي

ويعانقني

ويقول لي " مرحبا  في بيتك يا ابني”

من أفراح الأرض.. الى أفراح السماء

 

قصة حقيقية يرويها : عماد حنا

 

انتهى أبو عيسى من آخر زبون.. وجلس يستريح... كانت الساعة التاسعة مساءا في ليلة باردة، جلس أمام المدفأه ونظر الى الخارج.. كانت الدنيا مظلمة فكل المحلات كانت قد أقفلت أبوابها ولم يبق الا هو .. امتدت يده بجانب المدفئه يدفئها وتناول سيجارة وأخذ يدخنها في هدوء.. وهو شارد..

 وأبو عيسى رجل صاحب مزاج  ولا يفعل إلا ما يحب أن يفعله  فهو يفتح محل للأنتيكات وهو متفوق في مهنته ويحبها. ويربح منها الكثير إذ أن بلده بها لكثير من السائحين الذين لا يخرجون من البلد إلا ومعهم الكثير والكثير من التذكارات الجميلة . كان يشعر أن مهنته هذه مهنة فنان وكان هو من داخله فنان. فنان فيه كل أخلاقيات ومشاعر الفنان.. لذلك لكي يجيد مهنته. فهو لم يكن مجرد تاجر .. بل مصصم لتلك التحف ولديه ورشة صغيرة لعمل كل تلك الانتيكات التي يبيعها  لم يكتف بالتدريب والتعليم على يد فنان  آخر ولكنه انتظم في دورة تدريبية في إيطاليا وهناك مكث ثلاث شهور يتدرب مع رجال آخرين ومن فرط شغفه بهذه المهنة تفوق على الجميع ليحصل على شهادة المركز الأول.. ليس هذا فقط ما يمتلكه أبو عيسى من موهبة ولكنه أيضا يمتلك صوت جبلي جميل قوي ورنان.. وهو يعرف امكانيات صوته جيدا. فيغني في كل فرصة حتى أنه احترف الغناء.. وعندما يذهب الى أي حفله  يجلجل بصوته الأشبه بصوت وديع الصافي فيشدوا بتلك الالحان الجبلية التي يتسم بها الفنان وديع وايضا الالحان التراثية التي تعبر عن بلده العريق القدس.

 

إذا دخلت  الى حانوته  سوف تجد أدوات الموسيقي موجودة من عود وقيثارة وميكروفون وأجهزة تسجيل.. فهو محل للأنتيكات وورشة فنية  واستديو في نفس الوقت .وتجده في الأوقات التي يخلوا فيها دكانه  من الزبائن يخلوا الى نفسه ويمسك بالعود ويدير جهاز التسجيل ويعلو صوته في صالونه القابع في ممر ملئ بالمحلات الأخرى التي تبيع الملابس واكسسوارات السيدات بل والكتب أيضا .. وسرعان ما يقف على بابه جمهور غفير يستمتع بأغانيه.. ولا يوقفه الا شخص يدخل الى المحل  ويبدأ في العبث بالأنتيكات المعروضه ويحاول أن يجذب أبو عيسى لكي يتحاور معه  عندئذ  يترك أبو عيسى عوده ويستعد لابراز موهبته الفنية الأخرى مع ذلك الزبون.

ومحل أبو عيسى ليس فقط محل أنتيكات  و استديو فقط  ولكنه بار أيضا .. إذ أحب أبو عيسى المشروب كثيرا.. بل وأدمنه وفي نهاية اليوم ان لم يكن مدعوا في حفلة أو ماشابه لا يخرج من محله الا وقد شرب من الخمور ما يجعله ينسى كل من حوله..  أيضا هو يخرج من محله ليذهب الى منزله مترنحا وفاقدا أغلب ما كسبه في النهار ان لم يكن كله ..  فكان مصدر بؤس وشقاء لعائلته التي من المفروض أن عائلها لديه كل امكانيات التفوق  والثراء بسبب مواهبه التي تدر له  مالا كثيرا ولكنه ينفق كل ما يكسب  ببساطه ويرجع اليهم سكران.

 

في ذلك المساء لم يكن أبو عيسى مدعوا في أي حفل ..  وكانت الدنيا تمطر مطرا غزيرا في الخارج فلم يكن من المتوقع أن يدخل أي زبون في هذا الوقت الصعب .. انتهى من سيجارته وذهب الى البار فأخرج زجاجة من مشروبه المفضل وعلبة من سمك التونه ليفتح العلبة ويجهز وجبة عشاء خفيفة ويعد المائدة التي تحتوي على كل ما يشتهي .. ثم يذهب ليدير جهاز التلفزيون الموصل بستالايت كبير ليكمل مزاجه.. يوجه  أبو عيسى الطبق على القمر  الاوربي باحثا عن اللذة والمتعة في فيلم اباحي وان كان لا يفهم ما يقولون ولكن يكفيه المناظر المثيرة التي تشعره  بأن ليلته اكتملت .. ويستغرق وقتا في البحث عن محطة تشده.. ولكن في هذه الليلة بالذات لم يصل الى بغيته إذ فجأة أوقفته محطة غريبة ليس لأن فيها ما ينشده ولكن لأنها تتحدث بالعربية على غير المعتاد.. وقف ينظر الى تلك المحطة محاولا استكشافها .. فما هي هذه المحطة التي تنطق بالعربية وتبث داخل المجموعة الاوربية .. وما شده أكثر الى هذه المحطه أنه وجد شكل آلة العود الموسيقية على مقدمة برنامج عنوانه (فاترينة) وشخص يعزف .. ولأن الموسيقى دائما هي موضوع  أهتمام أبو عيسى لذلك أسرع ليأتي بشريط فيديو ليسجل ما هو آتي وجلس مسرعا أمام طاولة الطعام ليشاهد البرنامج.  مع وجبته اللذيذة وشرابه المفضل...

 

كان الحوار محوره عن ذلك التغيير الذي حدث لذلك الشاب..  أمسك أبو عيسى زجاجة الشراب يجترع منها ما طاب له وهو يستمع الى الشاب الذي قال عن نفسه أن اسمه ماهر فايز.. الذي كان يحكي قصته .. قصته؟ .. قصة من ؟ هل هي قصة ابو عيسى أم قصة ماهر فايز .. لم يعلم .. لقد كان ماهر يحكي عن شاب مليء بالمواهب ..ولكنه مدمن كل أنواع الادمانات الموجودة من  كحوليات  ومخدرات !! أخذ ابو عيسى ينظر الى الزجاجة التي أمامه وهو يستمع الى ماهر فايز صاحب الصوت الجميل وموهبته الموسيقية الرائعة ويعود لينظر الى الته الموسيقية الموجودة داخل صالونه وصوره المعلقة وهو يغني في الملاهي الليلية وسط تصفيق الناس ونشوتهم بصوته .. ومن جديد يستمع الى ماهر وهو يحكي عن شعوره بالضياع والألم والتيه في ذلك العالم الصعب .. ولأول مرة يفكر ابو عيسى في نفسه ويتساءل

-         هل أنا راضي عن نفسي .. عن معيشتي .. عن أسلوبي في الحياة ؟

سؤال لم يفكر فيه من قبل .. شرب كأس أخرى وأشعل سيجارة ووضعها في يده وهو يتذكر زوجته وأولاده  ومعاناتهم للحصول منه على النقود  ويرجع لينظر الى زجاجته الفخمة الباهظة الثمن الذي يمتلك منها أكثر من واحدة في صالونه غير ما يتجرعه يوميا في الحانات والملاهي حيث يعمل . ليكتشف أنه هو أيضا ضائع.. انه يفعل هذه الأمور دون أن يعرف لماذا؟ .. فقط لأن في يده (مصاري) .. ولأنه يحب هذا الامر حتى صار في كيانه ..

 

تناول  ابو عيسى ما تبقى من زجاجته و غاب سارحا في ماضيه كثيرا جدا.. حتى أنه لم يكمل البرنامج .. لقد تحول البرنامج الى شخصين يتحدثان دون أن يعرف ماذا يقولان .. لقد غاص في أعماق نفسه ليكتشف انه لم يحقق شيئا يذكر .. وشعر بالحزن .. الحزن الشديد .. وصلت نيران السيجارة الى أصابعه لينتفض بسرعة ليكتشف انها احترقت دون أن يستمتع بها  أو يدخنها .. لقد احترقت بلا هدف ..  ألقاها عنه وقال في أسى

-         ليست السيجارة وحدها التي تحترق بلا هدف .. حياتي كلها تحترق بلا هدف .

 أعادته السيجارة الى حالته و اكتشف انه نسي أن يأكل .. فقط تجرع زجاجة كاملة من المشروب الكحولي على معدة خالية أدارت رأسه كثيرا ..  قام ليغلق التلفزيون  ليجد البرنامج  يعلن عن قرب انتهاؤه فيقرأ عبارة تقول للرد على أي استفسار يمكنك الاتصال بأرقام التليفونات التالية .. أمسك بورقة وقلم وبصعوبة شديدة   كتب رقم التليفون الخاص  بدولة فلسطين وأغلق التلفزيون  وجلس وقد دارت عيناه كثيرا ممن شربه .. ولكن بعد لحظات أدار الرقم ليجد على الخط مع شخص يقول له "خدمة المشورة المسيحية معك .. بماذا  يمكن أن أخدمك .." 

وبكلامات  متعثرة تائهة قال له

-         أريد أن أتكلم معك .. هل تسمح لي بموعد ؟

-         بالتأكيد .. هل تعرف عنواننا ؟

-         لا

-         اذن اكتب هذا العنوان ..  وأنتظرك غدا في الساعة التاسعة والنصف صباحاً

-         أسأل على من؟

-         اسأل على وسيم .. وأنا سأكون في انتظارك

أغلق أبو عيسى التليفون .. ووضع العنوان في جيبه .. وأغلق دكانه ليكمل سهرته في الملهى الذي تعود أن يقضي سهرته فيه ... كانت الدنيا لا تزال تمطر .. أخذ تاكسي .. وذهب ليقضي سهرته وفي ساعة متأخرة جدا من الليل رجع الى بيته لا يرى أي شئ من حوله من فرط الدخان والمشروب ليرتمي على سريره دون أن يغير ملابسه ويذهب في سبات عميق .

 

 

يتساءل ماهر فايز  في كلامه عن ماضيه ويقول .. لم أكن أعرف لماذا أعيش ؟ لا يوجد معنى أو هدف في حياتي ؟

 

وبدوره يفكر ابو عيسى في حياته  ويتساءل .. لماذا يعيش ؟؟ سؤال لما يفكر فيه من قبل .. وفوجئ أنه لم يعرف اجابة.. أولاده وزوجته لم يكونوا ضمن اهتمامته .. دكانه وفنه هم مصدر متعة له  ولكن ماذا يريد ان يصل من ورائهم ؟ .. لا يعرف ..

 

في الصباح لم تكن آثار الخمر قد فارقته بعد أخذ يعبث في جيبه باحثا عن علبة سجائره فوجد تلك الورقة الصغيرة التي كتبها بالأمس .. فتذكر البرنامج الذي شاهده   وتذكر ميعاده  فقام من رقدته ونزل الى الشارع يركب التاكسي ويعطيه العنوان الذي ذكره  المدعو  وسيم .. وبعد فترة يصل التاكسي الى مكان ما وأوقف التاكسي . نظر أبو عيسى الى المكان ثم الى سائق التاكسي وقال

-         هل هذا هو المكان ؟

-         أجل يا سيدي

-         هذه كنيسة

-         ألم تكن تعرف؟

لم يعلق أبو عيسى على عبارة سائق التاكسي الساخرة ولكنه نزل واتجه الى الكنيسة قائلا في نفسه يبدوا ان وسيم هذا هو الخوري  .. دخل الى الكنيسة وسأل على "الأب وسيم" .. وجلس ينتظر.

 

***

 

-         وسيم .. هناك شخص اسمه  أبو عيسى ينتظرك في قاعة الانتظار

-         ها أنا قادم .. انني أنتظره

ويتجه وسيم الى قاعة الانتظار .. ومن بعيد شاهد ذلك الشخص الذي ينتظره.. في الواقع لم يكن يتخيله بهذه الصورة .. ولكنه اتجه اليه  وقدم له يده مسلما وقال

-         السيد أبو عيسى .. اليس كذلك؟

أجل .. هل أنت الأب وسيم ؟

-         نعم .. أهلا وسهلا بك .. تفضل بالجلوس .. هل تشرب شيئا؟

-         كلا شكرا

 

وبقيا الأثنين ينظران كل الى الآخر .. أيضا لم يتخيل أبو عيسى  أن يكون وسيم بهذا الشكل لقد تخيله خوري يلبس لباسا كهنوتيا نظرا لكونه في كنيسة  ولكنه ارتاح اليه كثيرا , وجهه المضئ وعيونه اللامعة  الباعثة للطمأنينة في أنه يملك حلولا لما جاء لأجله .. لقد شعر معه بالثقة .. وفي المقابل وجد وسيم أمامه شخص يشعر بالغرق .. أمله ضائع وعيونه منطفئة حزينة.. لديه شعور قاتل باليأس ... بعد دقائق قليلة  بدأ وسيم بالكلام

-         عزيزي أبو عيسى .. بأي وسيلة يمكن أن أخدمك ؟

-         بالأمس كنت أشاهد برنامج في التلفزيون.. كان أسمه فاترينة

-         أجل .. كان بالأمس الضيف هو ماهر فايز

-         أنا أريد أن أعرف كيف عرف ماهر هذا حكايتي .. كيف وصل الى ما أفعل .. كيف تمكن من تعريتي أمام نفسي بهذا الشكل

اقترب وسيم من ابو عيسى وبسرعة  استطاع أن يستنشق رائحة المشروب الكحولي المنبعثة من أبو عيسى فتفرس فيه لكي يتأكد أنه مستيقظ .. ثم قال له 

-         شوبة شوية يا أبو عيسى .. أريد أن أفهم .. لقد كان ماهر فايز يحكي قصته هو

نظر اليه ابو عيسى وبعصبية ظاهرة قال 

-         بل قصتي أنا .. أنا هو ذلك الشخص الذي يغني ويشرب ويسكر ولا هدف له .. حياة ضائعة ليس لها قيمة .. هل تفهمني

-         وهل وجدت لحياتك قيمة مثلما  فعل ماهر فايز؟

صرخ ابو عيسى

لا .. أريد أن أعرف كيف ؟ .. أريد الطريقة التي فيها أكتشف المعنى الذي لحياتي .. لماذا أعيش .. لست أدري .. أريد أن أكتشف كل هذا

-         إذا أنت قصتك مشابهة لقصة ماهر فايز وتريد أن تصل الى ما وصل اليه ماهر فايز

-         هل تساعدني ؟

كانت عبارته فيها من الرجاء والأمل كما لو كان وسيم يمتلك طوقا من النجاه يريه لشخص شارف على الغرق .. فقال له  وسيم 

-         عزيزي .. أنا مهمتي الوحيدة هو أني أريك الطريق.. ولكن أنت بقرارك و اختيارك سوف تقرر أن كنت تريدأن تسلكه أم لا

-         سأسلكه

-         أول كل شئ أحب أن أقول لك أن هناك شخص واحد هو الذي يدلك على الطريق ..

-         من هو؟

-         المسيح .. عيسى .. من أعطيت اسمه لأبنك .. ونحن نسميه يسوع

-         المسيح ؟ .. كيف .. أنه نبي عظيم .. جاء لهداية البشر وتعريفهم بالله

-    فقط؟ .. كل ما قلت صحيح .. لكن المسيح قال .. جئت لأعطيهم حياة .. ليس فقط يعطي تعاليم جديدة .. ولكنه جاء يعطي حياة جديدة .. خليقة جديدة   فيها تعرف هدفها وغايتها .. هو من يقدر أن يغير الحياة لأنه يغير من الداخل .. هل تفهمني ؟

-         ليس كثيرا .. هل ماهر فايز تغير بأنه عرف المسيح ؟

-    ليس عرف معلومات عن المسيح .. ولكن وضع ثقته بالكامل في ذلك المسيح .. المسيح جاء أساسا لكي يحدث هذا التغير في الانسان .. انه قال " أتيت لتكون لهم حياة وليكن لهم أفضل " .. وإنجيل يوحنا  يقول للذين يقبلون عمل المسيح " وأما كل الذين قبلوه أعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه " .. هل تؤمن بكل هذا ..

لم يجب أبو عيسى .. ولكنه لأول مرة يبتسم ثم قال لوسيم

-         هل لي في بعض القهوة حتى أستيقظ أكثر ؟

ضحك وسيم وقال

-         بالتأكيد ... وليد .. يا وليد .. قهوة لضيفنا العزيز .. فالجلسة ستطول

 

***

 

وبالتأكيد طالت الجلسة .. امتدت ساعتين وربع .. يفتح وسيم الكتاب المقدس وأيضا القرآن ليكتشف أبو عيسى هوية المسيح الحقيقية .. ليكتشف أن المسيح جاء  لفداء البشرية وليس لمجرد تعاليم .. لقد جاء ليسدد عدل الله من خلال موته نيابة عن البشر.. وجاء ليعطي البشر حياة فقام من الموت منتصرا ..  ووعده العظيم أنه سيصعد الى السماء ولكنه بروحه القدوس سيمكث داخل كل انسان وضع ثقته فيه .. ذلك الروح المعزي المطمئن المغير لكل الحياة .. الذي يضع الهدف داخل الانسان ويضع المعنى ... كل هذا عرفه أبو عيسى لينتهي الحوار  بهذه الكلمات

-         انني أريد أن أتغير .. لكن أيضا أريدك ألا تتركني لوحدي .. انني أريد أيضا أن اتعلم كل شئ

-         لا تخف يا عزيزي لن أتركك .. سأعلمك  كل ما تريد أن تعرف .. ولكن لابد من الخطوة الاولى

نظر ابو عيسى بتساؤل وقال

-         ما هي ؟

-         هل تصلي اليه ؟ .. هو أيضا يريدك .. هل تصلي تعلن تصديقك  لكلمته.. وعدم تمردك على عمله .. و تطلب منه التغيير ..؟!!

-          أجل أصلي

وانحني وسيم ومعه أبو عيسى .. ورائحة المشروب لم تمنع أبو عيسى من أن يرفع كلمات الى الله يعلن عن ثقته فيما فعله يسوع لأجله .. ويطلب منه أن يسكن في داخله روح الله المغير المعزي .. لقد وضع ثقته في ذلك الاله العظيم الذي افتقد البشر وسعى لكي ينقذهم من مرارة الخطية .. وعندما انتهى من الصلاة أخذ يبكي كالاطفال فترة .. ووسيم يرفع صلوات شكر الى الله لأجل ذلك الانسان كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد.  ثم تركه حتى أفرغ كل ما في جعبته من مشاعر.

***

 

لم تعد عينا ابو عيسى منكسرة .. بل كما العدوى صارت تلمع بالأمل  بعد أن انتهى أبو عيسى من بكاؤه.. أبتسم له وسيم وقال له 

-    خذ هذا الكتاب المقدس  وهذه المجموعة من الكتيبات .. انها كتيبات لمتابعة الحياة التي أمرنا المسيح أن نحياها .. عليك أن تبدأ في قراءتها كتاب كتاب . و لنبدأ من الكتاب الأول .. عليك قراءته و استكمال الفراغات الموجودة فيه من خلال استخراج الآيات من الكتاب المقدس

-         ومتى  أرجعه لك ؟

-         سأغيب  اربعة أيام في لبنان .. وأريدك عندما أرجع أن ألتقي بك وقد قرأت الكتاب الاول وحللت كل ما به  دون إهمال .. اتفقنا ؟

-         اتفقنا

 

وانتهت المقابلة .. ليرجع أبو عيسى الى صالونه وفي يده تلك الهدية العظيمة التي خرج بها من الكنيسة ..  فتح  صالونه وجلس يقلب  في ذلك الكتاب المقدس بشغف .. ثم فتح الكتيب الاول  يريد أن يحل ما فيه من أسئلة .. ولكنه وجد رموز غريبة وعجيبة لم يفهمها أبدا وجد عبارة (يو3: 16)  ولم يفهم ماذا تعني  هذه الاشياء.. ولكنه قال  لنفسه لا مشكله .. كثير من أصدقائي  و زبائني مسيحيين أستطيع اليوم وغدا أن أعرف معاني هذه الأشياء  وبعدها  سأتمكن من حل الواجب ..

ولكن للأسف  لم يجد ولا واحدممن يعرفهم  مستعد أن يدله على هذه المعاني  والرموز التي بدونها ما كان من الممكن أن يحل الكتاب ولا أن يعرف محتواه .. يومان كاملان يقلب في الكتاب المقدس ويقرأ فيه بعض الآيات بينما محاولة حل الواجب باءت بالفشل .. ووسيم في لبنان... وأخيرا يتذكر صديق له مسيحي اسمه عادل .. يسرع الى التليفون ويبدأ في محادثته

-         مرحب يا عادل  .. انني أريد أن أسألك بعض الأسئلة

-         وماله يا أبو عيسى .. منذ زمن لم نلتقي .. ولم أسمع صوتك الجميل ولم  أتذوق مشروبك المنعش منذ فترة.

-         لقد ولى زمن المشروب يا عزيزي ... اسمع .. أني لا أستطيع أن أحكي لك في التليفون كل شئ .. هل تأتي الي بعد الدوام ..

-         ماشي .. في التاسعة تماما سأكون عندك ..

ومن جديد لمعت عيون أبو عيسى .. لقد وجد أخيرا من يساعده

 

***

 

ومر يوم آخر على أبو عيسى  وبداخل أعماقه رغبة شديدة لمعرفة ما يحتويه الكتاب المقدس.. رسالة السماء له .. وكان يعجل بالساعات حتى يأتي اليه صديقه عادل .. وجاءت الساعة التاسعة ليأتي عادل ويتجه الى البار الذي اعتاد أبو عيسى أن يشرب منه ولكنه فوجئ أنه لم يجد ولا زجاجه فضحك وقال

-         ما لك ياعزيزي .. أين زوادتك .. ألا يوجد زجاجة واحدة تروي ظمأنا .. هل أفلست ؟

-    قلت لك لقد ولى هذا الزمان .قبل أن تأتي كسرت كل الزجاجات لن أشرب بعد الآن . لقد تعرفت على الشخص الذي غير من حياتي بالكامل ..

-         صحيح ؟ ومن هو ؟

-         أجلس لأحكي لك ..

 

وجلس ليحكي له أبو عيسى , بينما عادل يبتسم تاره ويضحك تارة أخرى .. ويقهقه تارة .. ثم يعود ليخفي وجهه من جديد  وما أن انتهى حتى انطلق ضاحكا وقال بصوت عال

-    هل أنت ذهبت الى جماعة  المجانين هذه ؟ .. اسمع .. سأقول لك ماذا تفعل ؟ .. سأذهب أنا وأنت لأعزمك على زجاجتين من العرق يجعلوك تنسى كل هذه التخاريف

ونظر ابو عيسى اليه مستنكرا الكلمة فأعادها اليه معترضا

-         تخاريف ؟!!

-         هل تعرف من راعي هذه الكنيسة ؟ .. انه واحد من أقرب الاقربين لي .. صدقني .. أنا أعرفه جيدا .. هم مجانين درجة أولى .. تعالى معي

 وخرج معه ابو عيسى .. وسهر .. وشرب .. ولكنه لم يستمتع .. لقد تذوق  طعم المرار في كل ما يشرب .. لذلك عندما رجع الى البيت رجع يبكي بكاءا مرا.. مما أغضب صديقه كثيرا .. فخرج ناقما .

 

***

 

اتصل عادل بقريبه راعي الكنيسة وما أن رد عليه الراعي حتى قال عادل

-    استمع  يا قسيس .. شغل المجانين الذي أنت تتبعه لا تمارسه مع كل أنسان .. هذا الرجل أبو عيسى لا تهدم حياته ولا تخرب بيته .. هو رجل فنان مغني رزقه من تلك الاشياء التي ستحرمونها  عليه .. لا تدع هذه الامور تفسد عليه حياته ..

ويضع عادل السماعة غاضبا بينما القس لا يفهم أي شئ من هذا الحوار .. ولكنه فهم أن هناك شخص أراد مساعدة من الكنيسة وحصل عليها .. ولأن معلوماته محدودة لم يفعل شيئا سوى أن رفع صلاة لذلك الرجل الذي  يحتاج الى المساعدة .

 

في هذا الوقت كان أبو عيسى يرفع نفس الصلاة الى الله يقول له

-    يا رب .لقد أعطيتني كنز جميل اسمه الكتاب المقدس ولكنك لم تعطني المفتاح . لم أجد من يرشدني , ومن لجأت له حاول ارجاعي .. ولكن الخطية أصبحت مرة في حلقي.. لن أرجع من جديد علمني أنت يارب .. علمني كيف أقرأ .. علمني كيف أصلي

لم يكن أبو عيسى يعرف أنه في ذلك الوقت يمارس فعلا الصلاة لله .. ولكنه  بإيمان يفتح  الكتاب المقدس ليجد صفحة الاختصارات .. فيعرف أن (يو ) هي اختصار لانجيل يوحنا .. ويفتح بالاستعانة بالفهرس على انجيل يوحنا .. ويقرأ .. وبالملاحظة يكتشف معاني كل المصطلحات .. ويقرأ تلك الآية " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية " يو3: 16

 

وتنتهي المهلة .. ويرجع ابو عيسى الى  وسيم يعطيه الواجب الذي قام بعمله في سعادة بالغة..

 

***

 

مر الآن أكثر من عام ونصف  ولا يزال ابو عيسى  يلهج في كلمة الله، واستخدم تلك الكلمة ليعزف أحلى الكلمات  .. يتغني ويشدوا بمحبة الفادي ..  من تذوق محبته .. وأعطاه حياة جديدة .. وبعد أن كان يتغنى بالطريقة التي فيها يفرح أهل الارض .. استطاع أن يتذوق ترانيم أهل السماء.  بل وأن يشارك في عزفها وتأليفها وتلحينها ... أنه أتقن الالحان السماوية.