Web Counter
English Guestbook Contact us راسلنا سجل الزوار ندوة وأراء روابط إختبارات ترانيم الكتاب المقدس دراسات كتب عربى
 

إختبارالشيخ كامل منصور

ديباجه

مقدمة

حياته الإسلامية

الطور الثاني من حياته الإسلامية

بدء بحثه في المسيحية

حياته المسيحية

الصعوبات التي قابلها

إيمانه

أخلاقه و صفاته

عمله وبدايته فيه


 

ديباجه

لي الحياة هي المسيح و الموت هو ربح

  ان المقياس  الحقيقي للحياة ليس التعمير طويلا في هذه الدنيا و إنما هو تمجيد الله بما يخلده الحي من الأعمال السامية و خير ما يبقي خالدا من الأعمال هو التضحية وإنكار الذات في سبيل خدمة الله و الإنسان فان البطولة الحقيقية لا تتحقق إلا في هذه الناحية من منا حي الحياة ……… فالي خدام الله العلي و محبي النفوس والعائشين لاجل الآخرين اقدم فذلكة من تاريخ حياة أخ لهم راجيا الصفح عما يجدونه فيها من القصور في الوصول بهم إلى كل ما حواه تاريخ حياته تفصيليا لا سيما ما ألقاه من المحاضرات و جميع ما كتبه من النظم و النثر فقد كان قليل الحرص علي ما كتب. كذا اطلب الصفح عن التأخير بهذا الكتاب الي هذا التاريخ الذي ظهر فيه فقد آدت إلى ذلك حوائل كثيرة لا مكان لذكرها اليوم . أني أسال الرب ان يحمل هذا الكتاب قراءه علي تمجيد المسيح واعلاء ذكره في هذه البلاد وغيرها.

كامل منصور


مقدمة

( بقلم جناب الدكتور زويمر )

 أننا نرحب بكتاب جديد في باب تراجم مشاهير الرجال وقليل ما هو عندنا في اللغة العربية من هذا النوع  الذي يحدثنا عن عمل نعمة الله  في الحياة البشرية ان اعظم كتاب في العالم هو كتاب التراجم. تراجم رجال ونساء في قاعة إعلان الله المعلقة فيها صور رجال ونساء. أكرمهم الله بان كلمهم في قديم الأيام. وكانوا من الذين ساروا مع الله وصارعوا مع الله بالصلاة فحصلوا علي غفران منه  وقوة فخدموا عصرهم وجيلهم بنعمة الله المتفاضلة عليهم. ان الكتاب المقدس كتاب تراجم لا نظير له . فالكتبة لأطهار وضعوا لنا رسوما حقيقة فكانت خطوط رسوما حقيقية فكانت خطوط رسومهم الدقيقة وألوانها  الباهرة مطابقة للحقيقة لانهم بالايمان  غلبوا وبالنعمة ثبتوا ومعلوم ان يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والي الأبد.

ان اله ابراهيم و اسحق ويعقوب هو ايضا اله موسي ويشوع وصموئيل. وهو الذي أعطى سليمان حكمة وايليا شجاعة واليشع حنوا وايوب صبرا. وهو الذي دعا اشعياء وحزقيال وارميا في العهد القديم واختار يوحنا المعمدان وبطرس وبولس الرسولين في العهد الجديد. ولا شك انه هو الذي دعا واختار رجالا كثرين من ذلك اليوم الذي فيه  وجد  اندراوس أخاه بطرس بجانب  البحيرة الي يومنا الحاضر . و في هذه الدعوة يتضح لنا بجلاء ان الله لا يأخذ بوجوه  الأشخاص او الأمم بل ان نعمته المتفاضلة و حكمته التي لا تستقصي لا تزال تتجلى في جماهير خدامه الأمناء الذين يدعوهم لاعمال عظيمة في كل زمان وكل مكان.

ومن هؤلاء الخدام العظماء الذين اكرمهم الله أغدق عليهم سو ابغ نعمته وحكمته نذكر المرحوم الشيخ ميخائيل منصور. فهذا إذ عرف حق الله كما هو معلن في كتبه المقدسة.

" وجد أولا أخاه كاملا وآتي به ألي يسوع "

فما كان هذا الكتاب الذي وضعه الشيخ كامل منصور الا اعترافا بالفضل من اخ لاخيه. ولو ان قد مضي زمن طويل مذ فارقنا الشيخ ميخائيل منصور وانطلق الي راحته الابدية ولكن ذكره يبقي الي الابد وصورته.

تظهر لنا الان ادق واوضح مما كانت سابقا لاننا نراها من بعد  فتظهر لنا كل اجزائها بوضوح و جمال لا يظهر ان عن قرب . ان الونها حقيقية والمصور قد  غمس ريشته في دم حياته و لب محبته فجاءت الصورة معبرة عن الحقيقة. انه لا يستطيع احد ان يقرا سطور هذا الكتاب الا ويرفع الشكر لله لاجل علامات قوة الإنجيل مركز العالم الإسلامي.

ان الكنيسة الإنجيلية بمصر مديونة دينا عظيما لموسي المحبوب ولأخيه يشوع اللذين بالأيمان قادا  الكنيسة الي ارض الموعد التي تضم  الملايين العديدة من اخوتنا واخوتنا المسلمين . فهل يخامرنا شك بان الله الذي أعطى آبا كورة الصالحة لا يعطي حصادا غنيا وافرا ؟

أقرا الكتاب. انه سيحرك قلبك وينهض قواك ويبعث فيك شهوة جديدة للتبشير كما فعل بي.

                                                                     ( زويمر )


 

حياته الإسلامية

 هو محمد بن محمد بن منصور ولد بمدينة سوهاج مديرية جرجا في شهر مارس سنه  1871 وادخل مكتبا لتلقي القران حسب عادة اكثر آهل البلاد في ذلك الحين . وذلك في مسجد " العارف بالله " بسوهاج علي يد مقر مشهور يحسن التربية يدعي الشيخ مسعود العزازي فاتقن الفقيد عليه حفظ القران في سنوات قليلة وظهرت عليه بوادر الذكاء والفطنة فارسله والده الي  بلدة قريبة من سوهاج تدعي بلصفورة للتعليم. حيث بها مسجد معد لتدريس العلوم الإسلامية يؤمه الطلبة من كل جهات الصعيد . وذلك لان القائم بالتدريس هناك كان مشهورا بقوة رسوخ قدمه في العلوم النقلية و العقلية وغزارة مادته فيما يدرسه فضلا عن انه كان مرشدا لكثيرين من الطلبة الذين ينتظمون في سلك الطريقة الصوفيهة الخلوتية وهو المرحوم الشيخ علي بدر العالم المالكي الصوفي وحيد عصره وبديع زمانه في تلك الانحاء فلما انتظم الفقيد في عقد التلمذة عليه احبه حبا جما لما شاهده فيه من قوة الفهم  وجودة الفطنة.فنظره بعين عنايته في التهذيب والتعليم ورعاه بجميل رعايته في  انماء قوة ذكائه وحسن ادراكه .

وانكب الفقيد علي موائده انكباب الجائع علي الطعام يلتقط درر فوائده, ويقتبس حسن , عشر سنوات كاملات . بمواظبة تامة ورغبة فائقة , وفطنة باهرة, وطاعة نادرة , فاكمل علي شيخه الذكور  فقه الامام مالك  وتلقي عنه في تفسير القران الكاشف و البيضاوى والخلالين . وفي الحديث الاربعين النوويه وصحيح مسلم والبخاري , وكثيرا من كتب التوحيد والغة والصرف والنحو والبيان والمنطق وقرض الشعر واداب اللغة والفلسفة والتاريخ والأصول, وطائفة كبيرة من كتب السادة الصوفية, ومهر في كل ذلك مهارة فائقة بهرت في ذلك الحين رفقاءه, واعجب بها شيخه. يدلنا علي ذلك جملة شواهد تنبئ عن فضل الفقيد . منها وضعه تعليقا فيعلم النحو يستحق الذكر.ومما يؤسف له أن هذا التعليق قد امتدت إليه يد الضياع فلم اعثر فيما تركه من الأوراق  إلا علي مقدمته. علي إنني قد  رايته عنده في حياته. وها انا اثبت هنا تلك المقدمة.

قال :

 " اللهم يا من شواهد صنعك ظاهرة البرهان. وعوامل اثارك محكمة البيان الخ "

اما بعد فيقول ذو التقصير والقصور محمد بن محمد بن منصور هذا تعليق طفيف علي شواهد مغني اللبيب, عن كتب الاعاريب , حملني عليه من لا ترد اشارته, ولا يسعني مخالفته. العالم العلامة الشيخ علي بدرمتع الله الامة بوجوده وافاض عليهم من جم انعامه وجوده. واني وان كانت بضاعتي مزجاة( وللشيء علي الشيء مقاييس وأشباه )

جعلت علي مولاي اعتمادي وبه اعتقادي فقلت وعليه توكلت.

 

فهذه المقدمة وان كانت في ذاتها لا تدل علي كبير فضل ولكنها تشير ألي مبلغ ما كان الفقيد من المقدرة وهو تلميذ بعد. إذا لولا ذلك توجهت إليه ثقة أستاذه في القيام بآمر ليس بالهين اليسير علي طالب ومنها انه وضع وهو تلميذ أيضا منظومة في التوسلات الصوفية ضمنها أسماء الله الحسني كلها حكم عالية ودرر غالية سنثبتها للقراء فيما ياتي من منظوماته و استجىء لنفسيته الإسلامية …………………

وقد كتب كثيرا من النثر والنظم سيري القارئ بعضه فيما هو آت.


 

الطور الثاني من حياته الإسلامية

غادر صاحب الترجمة ربوع التعليم وودع حلقات الدروس وعاد الي مدينة سوهاج في اواخر سنة 1891 فكان في اةل هذا العهد كثير التفكير قليل الكلام ميالا الي الانفراد منكبا علي تصفح المطولات من الكتب اكثر نهاره. صارفا في العبادة والذكر اكثر ليله . سالكا مسلك كبار الصوفبين عاشقا مفتونا بالأمور الباطنية غارقا في بحار البحث وراء الأسرار ألا لهيه ثم اخذ يكتب الفصول الرائعة وينظم القصائد الشائقة فأشرقت شمس فضله. وازهرت رياض علمه فاقبل عليه كثيرون للاستضاءة بمصابيح نوره واستنشاق شذي زهوره يوضح المعميات ويحل المشكلات حتي زاعت شهرته . وشاعت خبرته وشاقت رؤيته فمال عن الانفراد الي المعاشرة. وكثر اصدقاءه فدعي للخطابة ولائمام به في اشهر مساجد سوهاج ثم فتح مدرسة هو وبعض اصدقائه فملئت منذ اول نشاتها بالطالبين.


 

بدء بحثه في المسيحية

في سنه 1893 قام في ذهنه ان يبحث في امر الدين المسيحي مدفوعا الي ذلك بوازع غيرته الاسلامية . وحبه العظيم لنصرتها فدرس كتاب اظهار الحق لرحمة الله الهندي الموضوع في الردود علي المسيحية. واستاذن الشيخ علي بدر في دعوة المسيحيين الي الاسلام ومجادلتهم  فلم يوافقه الشيخ علي بدر علي هذه الفكرة وكان فيما قاله له في هذا العبارة : " اخذت علينا  العهود الا نعترض علي نصاري ولا يهود" وذلك خوفا علي تلميذه من ان يقع في الخيلاء والكبرياء فناقشه في ذلك مبينا له ان الدعوة الي الاسلام ومجادلة من خالفه من اهل الاديان  , امر الله وواجب علي كل مسلم ,تبعا لقول : " وادع الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي احسن " : فقال نعم ان الامر كذلك ولكني اخشي ان تضيع وقتك في غير تهذيب نفسك وتنقيتها من الشوائب , والمرء يجب عليه ان يعصي نفسه  وهواه  ويوفي ما امره به مولاه فسكت ولم يرقه هذا الرد  واصر علي ما عول عليه من مباحثة المسيحيين ولا شك ان هذا كان بدء عمل الروح القدس في ايجاد الاسباب وتعيين الطرق الموصلة الي الخلاص  حيث قد كان مدفوعا بقوة عظمي لهذا الامر ...

وأول من الحديث معه في هذا الشان رجل صباغ يدعي ميخائيل كان قد تعرف عليه من ذي قبل . فلما خاطبه في الامر اجابه بانه لا يعرف شيئا في الدين . وقال له اذهب الي من يعرف ذلك من القسوس . ولما الح عليه في ذلك اخذه الي قسيس ارثوذكش يدعي القمص منقريوس  فلم يقنعه وارشده الي عريف اعمي فلم يشا العريف ان يباحثه  , وقال له انا اعرف انه لا يمكن ان يجيبك علي اسئلتك هذه الا قسيس الانجيليين …… فتعال معي الي الجمعية الانجليليه  وكان دخولهما الخدمة . فادهشه منظر العبادة وراقه جلوس جماعة المصلين باصغاء تام لواعظهم الذي كان يشرح لهم بعض ايات الكتاب المقدس , وسر بما راه من التسابيح والصلوات الروحية وافكار الواعظ عن الله لانه لم يكن يخطر في باله مثل كثرين من المسلمين ان  المسيحيه فيها هذا النوع من العبادة .  حيث ان اغلبهم يظن ان عبادة المسيحيين محصورة في السجود لتماثيل المسيح والقديسين مما يعدونه ضربا من ضروب الوثنية .

 

ولما انتهت الخدمة قدمه العريف المذكور الي خادم الكلمة وبعد التعارف ومعرفة الغرض عينا ومكانا للمناقشة. ولما اجتمعا حسب الموعد المضروب في الوحدانية والثالوث وافاضا في هذا الموضوع  اخذا وردا وطالت مناقشتهما علي غير طائل . بل انه شعر بعد  الجدال بتفوق الاسلامية علي المسيحية وعظم اعتقاده بفساد العقائد الانجيلية . ولكنه قبل انصرافه قال له المبشر " كل امرئ يطلب من ربه الهداية وانا انصحك ان تطلب من الله الارشاد الي الحق " فقال هذا الكلام بنوع من الاستهزاء قائلا له " وهل انا اشك في عقيدتي ؟ معاذ الله ان كل مسلم يطلب من الله الهداية كل يوم خمس مرات في صلواته ودعواته " بيد انه بعد مفارقته له دار في خلده ما طلبه منه المبشر " انا انصحك ان تطلب من الله  الارشاد الي الحق " واخذت  نعمة الروح القدس تعمل عملها في قلبه فتسرب الي نفسه الشك في ما هو عليه واخذ يناجي نفسه هل انت علي الحق حقا ؟ . وما  يدريك لعلك  علي باطل ؟ وظل يردد هذه الافكار وما يماثلها حتي وقع  في هم مضن وغم مبرح وقلم اثر فيههذا الفكر تاثيرا كليا فاخذ يجاهد نفسه ليتخلص منه وينزع اثره من قلبه فلم يفلح ولم تجد الجهود التي بذلها نفعا . وظل يتخبط بين الشك و اليقين , وليس هناك من براهين تجذبه الي المسيحية  ولا اسباب تنفره من الاسلامية بل الروح القدس وحده

 

ثم ازداد هذا الفكر عنده حتي اعتقد بانه ليس دين اولي بالاتباع من الاخر الا بالنظر والاستدلال وحينئذ راى  جميع الاديان في مستوي واحد , وان الانسان العاقل الحر الختار يصطفي منها لنفسه ما يشاء

ثم اخذ يسال ويبحث ويتردد علي الكنيسة الانجيلية في بعض الليالي يسمع الكلمة  وقد اثر فيه بنوع خاص موضوعان سمعهما حينئذاك من جناب القس ميخائيل ابا دير راعي الكنيسة الانجيلية بالاسكندرية حينما كان يبشر في سوهاج احدهما عن قول الرسول " امين  هو الله الذي به دعيتم الي شركة ابنه يسوع المسيح ربنا" 1كو9:1

 

والثاني من الزمور الخمسين -" ذابح الحمد يمجدني  والمقوم  طريقة اريه خلاص الله " مز 23:50 وهو في كل هذه المدة يقاسى ما يقاسي من العناء الزائد الذي  انتابه بتنازع الافكار  حديثها وقديمها  ينفي ويثبت , ويشك زيتيقن , حتي لقد ظننا انه قد اصيب بمرض عقلي . فقد كان يدخل غرفته ويغلق  بابها عليه طول النهار وقد شحب لون وجهه وظهرت عليه علائم القلق والارتباك و كثيرا ما أراد والدة وبعض أصدقائه أن يقفوا علي أسباب قلقه منه فلم يجب بشئ ولقد عكف علي قراءة الكتاب المقدس  من أول الآمر مفتشا عن الحق الإلهي  فيه إناء الليل وأطراف النهار . فقد كنت أراه معه في كل وقت .  ولكنه كان يحاذر جهده ان يراه أحد غيري معه وقد امرني بعدم إخبار أحد به .  وبعد مدة ظهرت علي وجهه علامات السرور والبهجة وعاودته بشاشته القديمة , وما ذلك الا ان انوار الفادي شملته واشرقت علي نفسه " شمس البر والشفاء في اجنحتها " بما راه في الانجيل من تقرير الصفات الالهية وتمثيلها للعيون بابدع مثال واجل كمال. لقد تجلي له المسيح بمحبته الفائقة , وقدرته النادرة وسمو مبادئه, وجلال عظمته , وجمال تعليمه , وعلم انه وحده الطريق والحياة , وان الانسان خاطئ وجاهل وعبد ولا يخلصه غير المسيح.

 

        ثم كثر اختلاطه بالمسيحيين وامتلأت مكتبته بالكتب المسيحية فاخذ بعض المسلمين اولا يهمسون بميله الي المسيحية , ولا يقدرون ان يجهروا بقولهم , لانه لا يصدق عن مثله ذلك فهو العالم المحقق ، التقي الورع الصوفي العابد من يصوم نهاره ويقوم ليله.

 

ثم كثر المشتبهون وتوجهت إليه الأنظار فأنكروا عليه مخالطة المسيحيين ودخوله الي منازلهم . فكان يداريهم جهد استطاعته ولا يذهب إلى منزل أحد المسحيين إلا متخفيا وغالبا تحت ستار الليل غير ذلك لم يفد فانه قد كثر مضايقوه ورموه بالإلحاد والكفر وفي ذلك يقول:-

 

لقد زعموا  أني  بحبك  ملحد                        أني بتصديقي  كتابك  كافر

وقالوا مضل  جبه  الله  وجهه                      واحرمه نيل المني وهو قادر

فان كان  حب الله  جل جلاله                        وتصديقه  كفرا  فأني  كافر

ولما راي منهم ذلك وراى ايضا ان التاخر في المجاهرة بايمانه وزرا عليه , وحملا ثقيلا تنوء به نفسه طلب من الكنيسة الانجيلية ان تعمده فتوانت الكنيسة خوفا وقابلت طلبه بفتور لم يكن ينتظره فراي موقفه صعبا امام الله اولا والناس ثانيا فاطلع قسيس الاقباط الكاثوليك هناك علي هذا الامر وكانت بينهما معرفة فاجابه بان الكنيسة الكاثوليكية مستعدة  ان تعمدك حالا  بمساعدتي . وكتب توا الي البطركخانة الكاثوليكية في القاهرة بخبره فطلبت منه ارساله اليها .

 

فلم نشعر الا وفاجانا بفكرة سفره . فسلم المدرسة الي شريكه فيها وترك كل شئ وسافر علي جناح السرعة وانضم الي الكنيسة الكاثوليكية بالقاهرة وذلك في اواخر سنة 1894 واختار ان يدعي " ميخائيل وهكذا تم عماده باسم الاب والابن والروح القدس ……

 

ولكن ما كاد يمر اسبوع واحد علي سفره حتي شاع في كل انحاء سوهاج والبلاد التي تجاورها خبر تنصره فتوافد  الناس الي منزلنا افواجا , يسالون عن الحقيقة  ولما يكن باعلم من السائل حينئذ. فسافر والده الي القاهرة في الحال ليقف علي جلية الامر وظل خبر تنصره حديث الناس وموضوع بحثهم كبارا وصغارا ليلا ونهارا ……….

 

اما حال امه واخوته وسائر افراد عائلته واصدقائه فلا يستطيع قلمي العاجز وصفها فقد اخذت والدته في العويل والصياح والندب والبكاء . وكذا اخوته وخالاته كانه قد مات . وامتلا البيت بالنساء والرجال يعزون ويتاسفون ويطلبون من الله عدم تحقيق الخبر .

 

ولم انس شيخه الشيخ علي بدر وهو يبكي بكاء الثكلي قائلا :

" لا يوجد عندنا غيره في علمه ومقدرته اللهم لاتحقق ما سمعناه " وغير ذلك كثير مما تقتضيه الحال

اما والده فلما وصل القاهرة وبحث عنه وجده في دار الطركخانة  القبطية الكاثوليكية فاخبره بما شاع في سوهاج عنه فاجابه بان كل ما سمعته حق لاشك فيه ……… فاني قد وجدت راحتي في الايمان بالمسيح مخلصا .. فنزل هذا القول علي والده نزول الصاعقة. وانسحق قلبه حزنا وكاد يجن غضبا واخذ يهدده تارة ويتوسل اليه بالدموع  طورا , وهو لم يزدد الا تثبتا في ايمانه وتمسكا باهداب فاديه.

 

واي بليغ يستطيع ان يصف مثل هذا الموقف الذي يقطع نياط القلوب ويحرق الاكباد . موقف تجلت فيه العواطف بجانب الواجبات. والد يبكي متوسلا امام ابنه وابن يجيبه- ببكاء امر من بكائه يبكي الوالد بكاء الراجي في الحصول علي فائت ويبكي الابن بكاء المتيقن من ضياع رجاء ابيه .

يبكي الوالد علي اكبر ابنائه من قصر همه علي تعليمه وتهذيبه وحصر فيه اماله , وشيد عليه قصور مجده وفخره, واذا بالامال قد زالت وشيكا , والقصور قد انهارت سريعا.

يبكي الوالد علي سهم كان يعده لان يطعن به قلب صروف الزمان , واذا الطعنة قد ارتدت الي فؤاده !

ويبكي الابن اشفاقا علي والده وتوجعا لحرمانه من عطفه وحرقته علي استلاله من بين والديه واخواته ،  كالمقلة استلت من الاشفار.

 

يبكي الابن لانه يري نفسه مضطرا لمعصية والده في طاعة المسيح ولما لم يجد البكاء ولم ينفع الوعد ولا الوعيد طلب منه ابوه ان يرسل معه عدة رسائل الي كبار اهل البلد يكذب فيها خبر تنصره اسكاتا للالسنه , وفرارا من العار الذي لحق العائلة, فلم يوافقه علي ذلك قائلا له " فضلا عما في هذا من اثم الكذب فان المسيح قال من انكرني امام الناس انكره امام ابي الذي في السموات "…….

 

فرجع والده الي سوهاج ينوء بحمل احزانه واخبرنا بما دار بينهما ولكنه طلب منا ومن كان يستطيع منا ان يقر بتنصره…….. واشتدت عندنا حال الحزن والاسف فظل والده منزويا مدة من الزمن تكتنفه عوامل الحزن والاسف الشديد ويحيق به المصيبة والعار.

 

اما اخوانه فقد كتبوا اليه  عدة رسائل, بعضها بالاستفهام عن الحقيقة وبعضها بالادلة والبراهين علي صدق الاسلامية وفساد المسيحية منها رسالة مطولة كتبها جناب العلامة الشيخ علي بدر مشحونة بالاقوال الكثيرة ضد الكتاب المقدس والعقائد المسيحية . واني وان لم استطع اثباتها هنا فقد رايتها وقراتها عدة مرات اذ كانت محظوظة عند الفقيد زمنا طويلا. ومنها رسالة صديق له يسمي الشيخ حسين مقلد هذا نصها :

" جناب العالم الكبير والفاضل الخطير : يعلم الله ان قلوبنا فتتها الخبر السئ الذي وقع عليها وقوع الصاعقة الا وهو خبر اعتناقكم الديانة المسيحية الامر الذي لاتكاد عقولنا تصدقه و وتنبو اذاننا عن سماعه نسال اله الا يحققه , فانه ضربه علي الاسلام والمسلمين , وقذي في عيون المريدين و المرشدين , واذي في قلوب الاهل والمحبين , فتكرم بما ينفي ما ردده الرجفون , واسرع بتكذيب ما فاه به الائمون, وبرد حر لظي القلوب , وفرج عن الصدور الكروب , واذكر قوله تعالي " ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العالم "

 

ومنها رسالة لجناب العلامة الشيخ محمد عبد ربه خادم العلم الشريف بسوهاج ارسلها للشيخ بكر الحداد المعروف بالقاهرة قال فيها:

 بعد السلام والتحية

" شاع ان حضرة الشيخ محمد بن محمد منصور يريد ان يعتنق النصرانية فتاسفت لذلك نفوس المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكادت ارواحنا تزهق دون ان نسمع بمثل هذا عن مثله " فارسل الشيخ بكر الحداد في طلب الفقيد وسلمه الرسالة المذكورة بعد ان ناقشه في الدين طويلا.

 

ومنها قصيدة عامرة الابيات ارسلها اليه جناب الشاعر العربي  الكبير الشيخ محمد عبد المطلب حيث كان وقتئذاك معلما بمدرسة الحكومة بسوهاج، وهي مملوءة بالعواطف السامية والرقة المنسجمة والشاعرية العظمي. وحيث ان الشعر من قديم الزمان ديوان العرب , به يستدل علي الحوادث ويستخرج منه الاخبار ، فقد ضمن حضرة الشاعر قصيدته حقائق راهنة توضح الحال التي كانت في ذلك الوقت وهانا مورد هنا كثيرا من ابياتها للاستلال علي ما كان.

 

قال في مطلعها يصف الشوق الذي كان لصاحب الترجمة من اهله واصدقائه والحرقة التي اصابتهم بفراقه:-

 

أيحلو  لها  هذا   التنائي   فتهجع              ومنزلها   بين   المنازل   بلقع

يحن   فيستبكي   الغمائم   رحمة              ومن وجده  ورق  الحمائم  تسجع

ولولا نوي الاحباب مااستعذب اللقا             ولولا شتات  الشمل  مالذ  مجمع

اغلبها   والوجد   يغلب   مهجتي               فما  جزعت  الا  وقلبي  اجزع

له زفرات لو تقسمن  في  الوري               وادرك رضوي بعضها يتصدع

 

ومنها يشير الي مفاجاة قومه بالسفر من غير ان يودع احدا من اصدقائه

 

خليلي  عني   بلغاهم   تحيتي                        ولو انهم ما سلموا يوم ودعوا

تجمعت الاضداد  يوم  ترحلوا                         لهيب يذكيه من العين مدمع

 

ومنها يصف امل اله في رجوعه الي الاسلامية وذلك كان لسان حال كل من عرفه حيث كان من البعيد المنكر امر تنصره واستمراره في النصرانية لما كان عليه من شدة تمسكه بالاسلامية :-

 

ديارك يا سلمي علي العهد لم يزال            بها امل  ان  الليالي  سترجع

و يا دارها لا  تجزعي  ان  بينها             سحابة صيف عن قريب تقشع

هي انها بانت  فما   كل   ظاغن             لديه  مواثيق  العهود  تضيع

وان  خيمت ربعا  سواك   فانما              جرت  عادة  الدنيا  ومرجع

و يارب بين  لا  برجي  انقطاعه            علي  غرة   اسبابه   تنقطع

و يارب  نار شاقه  العود  بعدما              خلت حقبا  منه  ديار و اربع

 

 ومنها في اسعطافه واغرائه بالرجوع

 

و يا رب  داع  لا   يجاب    وانما              دعوت  فتي  يصغي  الي  ويسمع

وان نصح النصاح من لا يطيعهم                 فان ابن منصور الي النصح اسمع

 

 ومنها يصف مقام الفقيد ومبلغ مكانته من العلم والمعرفة والفهم والذكاء .

 

دعوت اخا الاداب دعوة  مشفق               وعهدي به ذاك الاديب السميذي

اخا الادب المشهور والسيرة التي             عبير  شذاها  بيننا   يتضوع

عرفتك بالآداب  في قومك  الآلي             تركتهم والكل اس وموجع

فان كنت في شك فما انت بالذي              له شبه الجهال في الحق تخدع

 

 ومنها في اكباره عن المعتقدات المسيحية ووصفها بالبطل ووصف اهلها بالجهل

 

اخا الحق بالله  الذي  انت  عبده              باي  دليل  انت  للقوم  تتبع

فانه جهلوا هل انت تجهل مثلهم              بلي انت عن اهل الجهالة ارفع

اخا الفضل حتام التواني عن الهدي           وحتي متي للمنهج الحق ترجع

يعيرن ا قوم  شرحت  صدورهم             بامر  هو  المر  الذي  نتجرع

ولو كان حقا ما اتيت  لما  انكوت           قلوب ولا سالت من العين ادمع

نصحتك فاقبل ان تشا واطرح الهوي        ولا تتبع قوما اضيعوا وضيعوا

 

ثم شفع هذه القصيدة بكتاب موجز قال فيه : -

 

" كتابي اليك ومن يرد الله ان يهديه يشرح قلبه للاسلام . فتذكر معاهدك في مشهد الست بربكم ولا تكن ممن طاشت بهم الاحلام فضلوا سواء السبيل والسلام.


 

حياته المسيحية

الي هنا وقد انتهي ملخص حياته الاسلامية

 

خلع الانسان العتيق بميوله ورغائبه. والبس الانسان الجديد بميول جديدة . وطباع جديدة . بل هوذا قد صار الكل جديدا . فتقض الاسم القديم محمد بن منصور بعد ان دعي به نيفا وعشرين عاما  وقام  علي انقاضه الاسم الجديد ميخائيل منصور.

 

 وتحول مجري سبيله الي الله الي سبيل الحق الموصل للامجاد . وتغيرت كيفية الصلوات والابتهالات واتجهت الاشواق القلبية الي نقطة مركز دائرة الخلاص, وسر الهداية, ونور العالم , المذخرة فيه كل كنوز العلم والحكمة سيدنا يسوع المسيح.

  تعمد باسم الاب والابن والروح القدس في اواخر سنة 1894 كما ذكر وفي  اغسطس سنه 1895 سافر صحبة وفد كاثوليكي الي رومه فقابل البابا ليون الثالث  عشربزيه الاسلامي مقابلة ذات شان حيث قربه اليه وباركه وطلب من الله ان يثبته   في الايمان المسيحي ……… واهدي اليه جملة من الصور والتحف الثمينة , وكانت  هذه الزيارة موضوع اعجاب كل من راه او سمع به في روما , ولقد قصده في الفندق  الذي كان نازلا به بروما جملة مصورين لاخذ صورته كذا صور في طريقه الي  الفاتيكان  عدة مرات بعمته و قفطانه .

     وبعد رجوعه من روما ظل  بضعة شهور في المسيحية طائفيا…….. ولما لم يجد في  الكنيسة الكاثوليكية التعاليم والمبادئ التي تلقاها في بدء بحثه مع الطائفة الانجيلية من جهة    حصر الخلاص في المسيح وحده , والاقتصار علي تعاليم الكتاب . فقد راي الرجوع الي الكنيسة الازبكية يوم 26 ديسمبر سنة 1897  علي يد  مجلسها الذي كان  يراسه المرحوم الدكتور هرفي حينئذا ولقد قال عن نفسه في هذا الصدد " وتعلمت كثيرا من اخلاق المرسلين عن المسيحية الفضلي التي جذبتني الي المسيح اكثر وعرفت من لباب الانجيل ان المسيح وحده مخلص العالم.


 

الصعوبات التي قابلها

 

انني  لاعد نفسي مبالغا اذا قلت اني لم ار في من رايت شخصا تمجد المسيح في صعوباته والام نفسه مثله وابتدات هذه الالام منذ عقد النيه  علي قبول المسيح  ربا ومخلصا فقد كان محبا لوالديه واخواته وباقي افراد عائلته حبا جما الا في قليل من امثاله فكانت نفسه مضطربة جدا عندما عول علي مفارقة العائلة

وظهرت علي ملامحه الالام مجسمة ولكن ظل الإيمان يحارب في داخله هذه العواطف حتي انتصر عليها فطاع الذي يقول " من احب آبا أو أما أو اخوة أو أخوات اكثر مني فلا يسحقني "  اذكر انه كتب الي والي كثيرين من المسيحيين مستفهما عن كل ما جري وما يجري من الصغيرة والكبيرة قائلا في احدي رسائله " اريد ان تصور لي احوال العائلة كلها كما لو كنت مشاهدا لها  بنفسي  فاكتب  لي عن المحادثات  و الاكل و الشرب و النوم والخروج  والدخول  وكلام  الاطفال الخ الخ …….." وظل توانا الي هذه الامور مملوءا قلبه بالحب الينا حتي اخر حياته . ففي ايام  احتضاره قال لي " اكتب الي العائلة فردا فردا  وقل لهم اني مت متمتعا بسلام المسيح عسي ان ياتوا اليه فيخلصوا……."

 

كذا قد قابل الاما في مجاهدة الاميال القديمة فقد كان المثل الحسن في تمسكه بالاخلاق والعادات الاسلامية المحضة وكانت نفسه قد توطنت والفت العبادة الاسلامية من قيام بصلاة وصيام وتهجد حسب الطريقة الصوفية التي كان منظوما في سلكها . ولكن ( ان كان احد في المسيح فهو خليقة جديدية ……….. هوذا الكل قد صار جديدا )

 

كذا قد تالم كثيرا قبل عماده مما لهج به الناس من الذم وما واجهوه به من الاحتقار والاستهزاء والمضايقة وقوارص الكلام ولكنه قبل عماده ببضعة ايام اظهر عدم الاعتداد بكل ما يقال  فجاهر امام كثيرين بمقصوده بلا خوف ولا رهبة واحتمل بصبر وسرور كل مضايقة . وعلي اثر تحقق العائلة من صدق عماده سافر خاله من سوهاج بغير علم احد الي مصر قاصدا قتله وتخليص العائلة من العار تنصيره  وظل يبحث عنه حتي عرف محل اقامته وراقب مواعيد خروجه  ودخوله ثم كمن له في  احدي زوايا درب الجنينة قرب بطركخانة الاقباط الكاثوليك في ليلة من الليالي وعندما مر الفقيد هوي عليه بسكين ولكنه انتبه قبل ان يمسه وعاجله بضربة من عصاه علي يده اسقط بها  السكين  وقبض عليه  بقوة فلم يستطع ان  يعلت من يده وبدلا من ان يسوقه الي دائرة البوليس اظهر له روح المسيحية فلاطفه وقال له هانا قادر ان استغيث الان واسلمك الي الحكومة متلبسا بجريمتك . ولكن المسيح  الذي اعتقدت به يطلب مني ان اسامحك . ولا اجازيك عن شرك بمثله . فقط تتعهد لي  ان تسافر الليلة  الي سوهاج . فشكره خالي وتعهد له بالسفر فشيعه الي المحطة وكلمه كثيرا عن خلاص المسيح وظل معه ملاطفا له حتي سافر به القطاروقد كتب الينا بما حدث في تلك الليله فهلعت قلوبنا  خوفا عليه واقسم ابي يمينا  الا يدخل خالي البيت بعد ان هدده  وقال له " الا تعلم انه ابني وفلذة كبدي . فضلاعن  انه ربما عاد الي الاسلام"  وهكذا ظل خالي بسبب هذا الحادث لا يدخل بيتنا اكثر من  سنتين وغير هذا لم يحصل عليه تعد من افراد العائلة. اما من اهل سوهاج فقد وقعت عليه عدة اهانات سبا وشتما واحتقارا من بعضهم عند ما كانوا يرونه في مصر .

كذلك تحرش به كثيرون واهانوه ومرات هوجم ليلا في طريقه فتخلص وذلك من اشخاص معروفين له وغير معروفين ولولا انه كان جريئا مقدما ومهابا وقورا لكان قد فتك به مضطهدوه .

 

اما خطابات التهديد والوعيد التي كانت تتوالي عليه فكثيرة جدا ومخيفة ولكن في كل ذلك لم يظهر عليه ادني تاثر ولا تسربت الي نفسه الهبة من احد بل في جميعها مجد الله  وقد عظم انتصاره بالذي احبه . وبرهن علي انه معضد بالنعمة.


 

إيمانه

 

كان قوي الايمان بالمسيح مفتخرا  به فلم ينكر سيده لا بالقول ولا بالفعل ولا بالاشارة ولا بالصمت عن اظهار ما يحق اظهاره في أي ظرف من الظروف ومع أي كان من الناس لا في السر ولا في العلانية مكررا مانظمه فيه صباح مساء :

 

وكشفت لي عن نور وجهك في الدجي              فشهدت من معناك مالا يوصف

وعلمت اني كنت اعمي بائسا                      والان ابصر ما تشاء واعرف

 

قال لي عند زيارتي له لاول مرة وقد كنت اكلمه عما فاته بتنصره من المزايا الاسلامية . هل تقول اني ضحيت بتنصري ؟ قلت نعم . فقال ماذا  ضحيت ؟  فقلت  ضحيت كثيرا . ضحيت عائلتك . ضحيت شهرتك العلمية .  ضحيت ما كنت لابد واصلا اليه من المراتب العالية والوظائف  السامية . ثم صمت . فقال عدد واذكر ما شئت مما هو في نظرك تضحية  ولكن كل ذلك لا توازي قيمته قيمة ساعة واحدة من الوجود مع المسيح وفيه . والحق يقال اني هزات بهذا الكلام فلم اكن وقتئذا ادرك  قيمة معرفة المسيح التي تحسب خسارة كل الاشياء معها نفاية .

 

واذكر ايضا  ان في السنة الاولي من تنصره طلبنا منه ان يزيل خطاباته التي يرسلها الينا باسمه الاول محمد منصور  فابي اباء كليا  فعرضنا عليه ان يزيل الخطابات بكتابة م. م  ويعتبرها هو ميخائيل منصور ونتمكن بذلك نحن من مغالطة الناس باعتبارها كناية عن محمد منصور  فاجابنا بقوله ان هذا لا يمجد يسوع ولست اريد ان احدا يشك في ايماني.

 

وزارني مرة في منزل كنت اسكن فيه بجوار الازهر مع لفيف من الطلبة الازهريين فاجتمعوا حوله وتحدثنا في امور كثيرة نقال احدهم نحن هنا بعيدون عن المسيحيين فهل حقيقة انت تؤمن ان المسيح اله ؟ فما انم الاستاذ جملته حتي وقف منتصبا والقي خطابا  مملوءا بالحماس والغيرة عن لاهوت المسيح حتى لقد  خفت  عليه حينئذ من خطر يلحقه ومرة اخري حضر ألي  مع المرحوم الخواجا عطيه حنا الذي كان محررا لمجلة المرشد وقابلاني مع  جملة من التلامذة خارجين من الازهر فقال له احد معارفه الم تاسف علي ما فعلت من تنصرك فقال انما اسفي علي الزمن الذي قضيته بعيدا عن المسيح ونعمته قبل تنصري……

 

  ويجدر بي هنا ان اذكر اول شئ راقه في المسيحية وجذبه للمسيح حتي ندرك قيمة عوامل الجذب فيكون امامنا منهاجا  لربح النفوس واكتفي هنا بما قرره عن نفسه في هذا  الصدد فقال " لما اتاح الله  لي من اعطاني الكتاب المقدس عكفت عليه من اوله فوجدت  شيئا لم تسمع به اذني ولم تره عيني ولم  يحلم به قلبي من قبل :  وذلك اني رايت تاريخ الخليقة  علي اسلوب عجيب  وتتدبير فائق . وعرفت منه تاريخ الانبياء مفصلا ولم اعرفه من القران الا مجملا وزال من نفسي كثير من المشا كل التاريخية  التي جاءت في القران كوزير فرعون هامان وتكليفه اباه ان يبني له  صرحا " برجا" وكمريم ابنة عمران وكذي القرنين وغيرهما . وليس ذلك شيئا اذا قيس بما جاء به الانجيل الطاهر كقوله " هكذا احب الله العالم حتي بذل  ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحيوة الابدية"

 

      وقوله : مما يظهر روحية الشريعة الالهية " قد سمعتم انه قيل للقدماء لاتقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم . واما انا فاقول  لكم ان كل من يغضب علي اخيه باطلا  يكون مستوجب  الحكم "

 

    وقوله في بيانه سمو السجايا وكمال الاخلاق "  قد سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك  واما انا  فاقول لكم  احبوا  اعدائكم  باركوا لاعنيكم  احسنوا الي مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم لكي تكونوا ابنا ابيكم الذي  في السموات  فانه يشرق شمسه علي الاشرار والصالحين  ويمطر علي الابرار والظالمين  لانه ان  أحببتم الذين يحبونكم فاي اجر لكم " وغير ذلك كثير مما لم  اطل به فشعرت بحب شديد  وميل كلي لاتباع يسوع المسيح وعلمت ان الانسان خاطئ ولا يخلصه الا يسوع المسيح "

 

     انتهي ما قاله عن نفسه  بخصوص بدء ايمانه . ومنه نعلم ان الانجيل وحده كان السبب في هدايته فهو " قوة الله للخلاص لكل من يؤمن "…….


 

 

أخلاقه و صفاته

كان طيب القلب كثير الصفح ميالا جهده الي المسالمة تتدفق من قلبه انهار المحبة للجميع داءم البشاشة والبشر لا يري عابسا الا نذرا فلا تلبث عبوسته الا ريثما تحل محلها طلاقة شائقة. ولا يخلو حديثه من فكاهات تاسر لب سامعيه . ولذا كان محبوبا من جميع من يعرفه فكان اذا جلس علي قهوة التف حوله عشرات من محبيه  والمعجبين به .  وكان اذا مر في أي شارع حياه كل من يلاقيه او يمر عليه تحية الاحترام والحب الخالص وليس ذلك من المسيحيين فقط بل من المسلمين أيضا . وكان وقورا تلمح في وجهه  هيبة خاصة تحملك علي احترامه واكباره من اول وهلة . وكان كربما جدا يشفق علي الفقراء ويعطف عليهم كل العطف فطان اذا تحقق  من ان السائل في حاجة اعطاء فوق  ما يحتاج ومن ذلك انه كان يصرف علي بعض الايتام  والارامل  مع فقره مدة من السنين ويقول اني غني بالمسيح . وكان  لا يتاخر عن مساعدة من يقدر ان يساعده بالذات او بالواسطة في أي امر من الامور ولو كبده تعبا او ناله ضرر في هذا السبيل .

 

      اما شجاعته  الادبية فحدث عنها ولا حرج فهو جرئ القلب لا يرهب في سبيل الوصول الي الحق امرا . ولا يهاب في طريق الهدي والارشاد خطرا , فقد وقف عدة مواقف رهيبة كانه قد من جندل.

 

     ففي ليلة من ليالي اجتماع الازبكية اجتمع نحو 700 سبعمائة شخص فيهم كثيرون من كبار الاشقاء واشرار البلد وكانوا يصرخون بريد ان يقتله لاننصرف حتي نميته فخاف المرسلون عليه واشاروا ان يهرب من الباب الخلفي للكنيسة فابي ووقف علي طرف المنبر ثم كشف عن صدره  وصرخ قائلا من يريد ان يقتلني فليتقدم  فلست افضل ممن مات لاجلي ..  ولست ادري باي شئ اعلل ما حدث في هذه الاونه؟  فان الحماس الشديد قد  زال من التحمسين  للشر في الحال وكانما قد   اصيبوا بذهول  فصمتوا جميعا ثم تلاشت صرخاتهم وخرجوا  وخرج  معهم و بعضهم اوصله  الي بيته بهدوء وسكينه.

 

      وعندما حملت جريدة  اللواء المصري علي التبشير  والمبشرين بسببه وعرضت  باتخاذ طرق الشدة  لاخفات  صوت  المنادين بالانجيل  ذهب  بنفسه الي ادارة  اللواء  وقابل المرحوم  مصطفي كامل باشا وطلب منه ان يضع حدا  لحملات  اللواء  فاجابه  مصطفي كامل باشا اننا نقاومكم  باقلامنا  وان لم تنفع  فبنارنا وحديدنا  . فقال  له الفقيد  ولكنكم  لا تستطيعون ان تحملونا علي الصمت والكف عن التبشير واننا  سنقابل ناركم وحديدكم  بمحبة المسيح فنغلبكم ………. فهدات  ثورة مصطفي باشا وقال  انما كل ما نطلبه منكم الا تجرحوا عواطفنا في ديننا  فقال هذا ما طلبه منا المسيح قبل سعادتكم .  ومع ذلك  فكيف نجذبكم للمسيح    ان جرحنا عواطفكم ؟  وهكذا انتهي الحديث بالمصالحة والمصافاة.

 

     ومرة حمل جماعة من الازهريين علي حركة التبشير ايضا فكتب خطابا مفتوحا  نشر بجريدة مصر الي شيخ الازهر ومفتي الديار  المصرية مطالبا باسكات العلماء عن السباب والقذف ومبينا ان التبشير واجب من اقدس واجبات المسيحية لا يسوغ السكوت عنه وامضي  كتابه هذا بميخائيل منصور المتنصر. و كثير غير هذا  مما لا استطيع له عدا من مواقف  الشجاعة الكبرى.


 

عمله وبدايته فيه

 

كان الفقيد في اول تنصره مقتصرا علي الاشتغال بالتدريس فدرس بمدارس الكاثوليك ثم سافر الي كلية اسيوط فدرس هناك بضعة شهور ثم  طلب ان يقيم بمصر فرجع اليها وظل مدة يدرس بكلية الجزويت ويعلم بعض المرسلين الاميريكيين اللغة العربية . ففي يوم كان يدرس جناب الدكتور هنت في سفر اشعياء النبي فوقع في قلبه الكلام الذي سمعه النبي من فم السيد . ا ش 6 : 9,8 " ثم سمعت صوت السيد قائلا من ارسل ومن يذهب من اجلنا  فقلت هانذا  ارسلني فقال اذهب  وقل  لهذا الشعب اسمعوا  سمعا ولا تفهموا وابصروا ابصارا ولا تعرفوا "  فبعد التامل قال  لجناب الدكتور هنت "  انا اشعر اني مسؤول من جهة  تبشير اخوتي المسلمين وان الله يريد ان يرسلني من اجلهم " فتاثر  جناب الدكتور هنت . وبعد استشارة الرب والصلاة  معه من اجل ذلك اجابه بان الفكر من الرب وفي نفس هذا الاسبوع  عقد مجتمعا للمسلمين في كنيسة الازبكية فحضره عدد  قليل من المسلمين ثم نما العدد  حتي صار مئات وجلهم من المتعلميت بل من العلماء القادرين  والاجلاء  المطلعين فكانوا يباحثونه  فيرد  عليهم بكلام مؤثر وغيرة  فائقة وعلم واسع وحجج  لا تقبل الدحض  وبراهين لا تحتمل النقض  مستشهدا  بنصوص من القران والحديث  وسائر الكاب العلمية الكبري المعول عليها في الاسلام فكان موضوع دهشة الجميع.

 

     قال لي احد العلماء  مرة انت اخو ميخائيل منصور فقلت نعم . فقال ان اخاك رجل فذ لم تسمح  بمثله الايام . فقلت  له ولماذا  قال  لي كنت في اول سماعي له متهما له بالكذب  فيما يرويه من الكتب الاسلامية وذلك لكثرته وتفرقه في الكتب المطولة لانه يبعد ان يحفظ عالم كثرة هذه الشواهد  في كل موضوع يفتح امامه فيتكلم عنه هكذا مرتجلا . وفي ليلة من الليالي اردت ان اكتب كل ما يستشهد به فاستشهد بجملة شواهد عددتها  في نهاية كلامه فاذا بها من اثني عشر كتابا من الكتب المهمة .  وفي اليوم التالي ذهبت الي مكتبة الازهر  وبحثت عنها في المصادر  التي ذكرها فاذا هي بحروفها ومواضعها !!

فاكبرت الجل وتاكدت انه من العلماء الذين يرحل اليهم .  وقال لي صديقي الشيخ محمد  المنوفي العالم الازهري انني ذهبت في ليلة انا والشيخ علي منا العالم لكي نسمع اخاك فوجدنا في شخصه عشرين عالما وكنا معولين قبل  رؤينه علي مباحثته  فلما سمعناه عدلنا عن الباحثة لان الاعحاب به تملك كل مشاعرنا.

 

       ومن المواقف المشهورة مباحثاته التي ظلت اشهرا مع الشيخ زكي الين سند الذي  كان رئيسا لجمعية مكارم الاخلاق الاسلامية واخري مع الشيخ الفاضل خيرت بك راضي المحامي الشرعي الشهير وكذا مع الكتور محمود  صدقي والشيخ احمد  علي المليجي والشيخ محمد علي المليجي وغيرهم من كبار المباحثين في الديانة المسيحية ومع كون اجوبته كانت  مسكته وبراهينه كانت مفحمة فقد كانت ايضا مطفئة للنيران التي كانت تتاجج في صدور مباحثيه وذلك لانه كان يصوغها  في قالب كله محبة ولطف ودعة واحترام لمن يناظره فاكتسب محبة اكثرهم وامتلك قلوبهم  و حاز اعجابهم العظيم , فكان مئات منهم يحضرون محاضراته وهم مدفوعون بمحبتهم لشخصه وتقديرهم لمعرفته العلمية وشدة عارضته وسرعة خاطره.